
سمية النور دهب..دبلن
في خضم العلاقات الطويلة والمتشابكة بين مصر والسودان، يطرح السؤال الأهم: ما الخير الذي يمكن أن تقدّمه مصر للسودان؟ بالنسبة لكثير من السودانيين، هذا السؤال لا يقتصر على استفسار دبلوماسي بقدر ما هو اختبار للتاريخ والوعي الجمعي، إذ يكتنفه شعور بالمرارة نتيجة سنوات من التهميش، والتدخل، والتصرفات التي تُرى بأنها تمثل استغلالًا للضعف والتبعية.
التاريخ القريب وسوء الظن العميق
يشير الواقع التاريخي والسياسي إلى أن العلاقة بين الدولتين الجارتين لم تُبنى على مبدأ الشراكة المتكافئة، بل على سلسلة من الممارسات التي عززت شعور السودانيين بالإخضاع والهيمنة. فقد تعاملت القاهرة مع السودان لسنوات كحديقة خلفية، وجعلت جيشه أداة لضبط الدولة بدل أن يكون قوة حامية للشعب وسيادته. هذه الهيمنة شملت التحكم في الموارد الأساسية، وفي مقدمتها مياه النيل، عبر اتفاقيات طويلة الأمد وصيغت بطريقة تفيد الطرف المصري على حساب الحقوق السودانية، ما ترك إرثًا من الظلم الاقتصادي والسياسي والأمني.
تضيف هذه الخلفية إلى وعي السودانيين شعورًا عميقًا بعدم الثقة، ليس تجاه الشعب المصري العادي، بل تجاه السياسات الرسمية التي ترى في السودان دولة صغيرة تُدار عن بُعد، ومصدرًا للموارد، وأداةً لتثبيت النفوذ الإقليمي. وهذا ما يجعل أي حديث عن “خير محتمل” مشروطًا بتحولات كبيرة في العقلية السياسية الرسمية.
دعم العسكر والابتعاد عن إرادة الشعب
أحد أبرز مظاهر الهيمنة المصرية في السودان يتمثل في دعم القوات العسكرية على حساب المدنيين. فقد اختارت مصر، في لحظات حرجة، الوقوف مع المؤسسة العسكرية على حساب المشروع المدني، متذرعة بالحفاظ على الاستقرار، لكن الواقع يشير إلى أن الهدف كان حماية مصالحها في مؤسسات الدولة والتحكم بالقرار السياسي. هذا الدعم لم يُخفِ دوره في تعطيل الديمقراطية، وخلق بيئة يسهل فيها فرض سياسات خارج إرادة الشعب، مما يُفضي إلى انتكاسات دائمة في العملية الانتقالية والسياسية السودانية.
هذا النهج يجعل أي تعامل مصري مع السودان اختبارًا للنية أكثر من كونه تعاونًا حقيقيًا. فكل دعم مزعوم غالبًا ما يرتبط بمصالح اقتصادية وأمنية وسياسية، وليس بمصالح الإنسان السوداني العادي، الذي يعيش تبعات الحروب والتوترات على الأرض.
التآمر المستمر وصناعة الأزمات
لم تقتصر السياسات المصرية على الدعم المباشر للعسكر أو التحكم في الموارد، بل امتدت إلى خلق بيئة من عدم الاستقرار. فقد ساهمت سياسات التدخل المباشر وغير المباشر في إذكاء صراعات محلية، وتأجيج الفتن، وإطالة عمر النزاعات المسلحة، بما يجعل السودان عاجزًا عن بناء مؤسسات قوية ومستقرة. وفي هذا السياق، تبدو الإجراءات التعسفية بحق السودانيين في مصر—سواء كانوا لاجئين أو زوارًا—امتدادًا طبيعيًا لسياسة رسمية ترى في الشعب السوداني عبئًا يمكن التحكم فيه، لا شريكًا يمكن احترامه.
وهذه الممارسات تكشف عن تصور أعمق للنظام المصري حول العلاقات الإقليمية: السودان ليس شريكًا متساويًا، بل منطقة نفوذ يجب مراقبتها وإدارتها بالقوة، وفق منطق الحفاظ على السيطرة والسياسات المصلحية الضيقة.
الخير الممكن: الالتزام الأخلاقي والسياسي
مع ذلك، يمكن الحديث عن الخير الذي قد تقدمه مصر للسودان، إذا رغب النظام الرسمي في تغيير سياساته. يتلخص هذا الخير في عدة نقاط أساسية: احترام السيادة السودانية، ودعم الانتقال المدني دون تدخل أو تعطيل، وإعادة النظر في اتفاقيات مياه النيل بروح العدالة والمساواة، وفتح صفحة جديدة من الشراكة المبنية على المساواة والندية، بعيدًا عن التبعية والسيطرة.
الخيار ليس منّة سياسية، بل التزام أخلاقي وسياسي، يعكس قدرة مصر على أن تكون جارًا شريكًا، لا مُسيطرًا متسلطًا. احترام حقوق الإنسان، والاعتراف بمؤسسات الدولة السودانية، وحماية المدنيين، كلها علامات على التحوّل الذي يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في العلاقة بين الشعبين.
التغيير ممكن إذا ما أرادته الإرادة السياسية
يبقى السؤال قائمًا: هل ستختار مصر أن تتحول من دولة مهيمنة إلى شريك؟ أم سيظل التاريخ، كما يراه السودانيون، سلسلة من الإخفاقات، والسيطرة، والتدخل في شؤون بلد جار؟ الإجابة مرتبطة بمقدار استعداد النظام الرسمي لتغيير سياساته الجذرية تجاه السودان، والاعتراف بحقوق شعبه، واحترام إرادته.
وفي غياب هذا التحول، ستظل العلاقة محكومة بالشك، وسيظل الخير المتوقع مجرد أمل بعيد، بينما تُستمر السياسات التعسفية التي تجعل الشعب السوداني ضحية مزدوجة: في وطنه وفي دولة الجوار، التي يُفترض أن توفر له الأمان والحماية.
إن احترام الحقوق السودانية هو اختبار أخلاقي وسياسي حقيقي لأي دولة مجاورة، ويشكل مؤشرًا صادقًا على مدى قدرتها على بناء علاقات قائمة على العدالة والمساواة، بعيدًا عن الهيمنة والوصاية.



