
نجم الدين دريسة
يُعد تحالف السودان التأسيسي محاولة سياسية جادة للإسهام في الخروج من الأزمة التاريخية التي يمر بها السودان، غير أن نجاح أي مشروع من هذا النوع يظل مرهونًا بوضوح المنهج وترتيب الأولويات. فالتأسيس السياسي لا يتحقق عبر الإجراءات التنفيذية وحدها، بل يتطلب مسارًا متدرجًا يبدأ ببناء التحالف نفسه كمرجعية فكرية وسياسية قبل الانتقال إلى تشكيل السلطة.
من هذا المنطلق، يبرز سؤال جوهري يتعلق بتوقيت وخطوات المضي في تشكيل المؤسسات التنفيذية. إذ إن التحالف السياسي، بحكم طبيعته، هو الإطار الذي تُشتق منه السلطة، وتستمد منه مشروعيتها وبرامجها. لذلك، فإن استكمال هياكل التحالف في مختلف المستويات الاتحادي، الإقليمي، الولائي والمحلي يمثل خطوة أساسية لا غنى عنها قبل الانتقال إلى تأسيس سلطة الدولة بمستوياتها المختلفة.
إن بناء التحالف على أسس مؤسسية واضحة يضمن وحدة الرؤية، ويتيح صياغة برامج سياسية تعكس تطلعات المجتمعات المحلية، وتراعي تنوع السودان وتعقيداته الاجتماعية والاقتصادية. كما أن اكتمال هذه الهياكل يتيح مشاركة أوسع للقوى السياسية والمجتمعية، ويُسهم في تحويل التحالف من إطار نظري إلى كيان سياسي فاعل ومتماسك.
في المقابل، فإن الانتقال المباشر إلى تشكيل سلطة تنفيذية دون اكتمال البنية السياسية للتحالف قد يؤدي إلى اختزال مشروع التغيير في إدارة الشأن اليومي، بدل الانشغال بتأسيس الدولة على أسس جديدة. فالسلطة، في مفهوم الدولة الحديثة، ليست جهازًا تنفيذيًا فقط، بل منظومة متكاملة تضم السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، تعمل في إطار قانوني ودستوري يضمن التوازن والمساءلة.
وعليه، فإن المضي قدمًا يتطلب رؤية عملية تقوم على مرحلتين واضحتين: الأولى، استكمال بناء التحالف سياسيًا وتنظيميًا، وترسيخ مرجعيته الفكرية وبرنامجه العام؛ والثانية، الشروع في تأسيس سلطة متكاملة تعكس هذه المرجعية، وتضمن قيام مؤسسات تشريعية وقضائية إلى جانب السلطة التنفيذية، بما يحقق مفهوم الحكم الرشيد والدولة المدنية.
إن ترتيب هذه الأولويات لا يعني تعطيل العمل العام، بل يهدف إلى وضعه على أسس أكثر صلابة واستدامة. فالتجارب السياسية تؤكد أن غياب البناء المؤسسي المتكامل غالبًا ما يؤدي إلى تعثر المشاريع الإصلاحية، مهما حسنت نوايا القائمين عليها.
ختاما إن الفرصة ما زالت متاحة أمام تحالف السودان التأسيسي لإعادة ضبط مساره، عبر التركيز على استكمال هياكله في كل المستويات، ثم الانتقال الواعي لتأسيس سلطة مكتملة الأركان، تشريعية وتنفيذية وقضائية، قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق تطلعات الشعوب السودانية في دولة مدنية عادلة ومستقرة.




