رأي

وهم الهدنة وكسب الزمن: قراءة في تكتيكات التحالف الحاكم للحرب في السودان

عماد جدو

 

عماد جدو 

يمارس بعض الكُتّاب والسياسيين قدرًا عاليًا من التضليل والاختزال المخلّ حين يروّجون لفكرة أن موافقة الفريق عبد الفتاح البرهان – سرًا أو علنًا – على الجلوس إلى طاولة المفاوضات تعني نهاية ما يمكن تسميته بـ التنظيم الداعشي السوداني، المتمثل في قيادة الجيش الحالية وحاضنتها السياسية الواسعة.

هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن قيادة الجيش لا تتحرك بمعزل عن تحالف معقّد ومتعدد المصالح، يضم الإسلاميين، وما يُعرف بالتحالف الديمقراطي، وعددًا من قادة الحركات المسلحة، من بينهم: جبريل إبراهيم، مني أركو مناوي، مالك عقار، طمبور، أردول، مبارك الفاضل، محمد الأمين ترك، هجو، الجاكومي، كيكل وغيرهم. وهو تحالف لا يجمعه مشروع وطني جامع، بقدر ما توحده مصلحة مشتركة في استمرار الصراع.

ولا يكتمل هذا المشهد دون الإشارة إلى الحاضنة الرأسمالية الطفيلية التي نشأت في ظل الحرب، ووجدت فيها بيئة مثالية للممارسات الاقتصادية المشبوهة والفاسدة، لتتحول مع مرور الوقت إلى كارتيلات مصالح تعيش على اقتصاد الدم والدمار. هذه المنظومة تجد بدورها غطاءً استخباراتيًا ولوجستيًا من أطراف إقليمية، على رأسها الاستخبارات المصرية، إضافة إلى دعم إقليمي مباشر من النظام الإريتري.

كل هذه التقاطعات تشكّل في مجموعها قنبلة موقوتة تهدد أي مسار سلام هش أو مؤقت.

في هذا السياق، يبدو التهليل والفرح المصطنع بتصريحات المبعوث الأمريكي مسعد بولس – التي تحدث فيها عن “خطوات حساسة” يتخذها البرهان لقبول الهدنة وفق مقترح الرباعية – قراءة ساذجة أو متواطئة. فالسلوك الفعلي لعبد الفتاح البرهان على أرض الواقع لا يشير إلى نية حقيقية لإيقاف الحرب، بل يعكس بوضوح سياسة كسب الوقت والمناورة السياسية.

إن الرهان الحقيقي على كسر بندقية الحركة الإسلامية لا ينطلق من وعود الهدن المؤقتة، بل يقوم على احتكار القوة في يد سلطة وطنية مسؤولة، تراعي المصالح العليا للشعوب السودانية، وتغلق الباب نهائيًا أمام أي تدخل إقليمي في الشأن الداخلي السوداني تحت أي ذريعة كانت.

وهذه المعادلة – وفق قراءة واقعية – تنطبق على مشروع تأسيس وقيادته وجيشه الموحد، لا على القيادة الحالية لجنرالات الجيش، الذين برعوا في ممارسة تجارة الحروب مستفيدين من الغطاء والامتيازات التي تمنحها الرتب العسكرية، ليغدوا نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته بـ “جنرالات اقتصاد الحرب”.

إن النظر إلى الأزمة السودانية من زاوية غير هذه الزاوية الواقعية، يفتح الباب أمام صدمة جديدة للسودانيين، قد تأتي بعد إعلان أي هدنة شكلية، حين تستمر الحرب بأدوات وأساليب مختلفة. فجنرالات الجيش وحلفاءهم لا ينظرون إلى طاولة التفاوض كوسيلة لإنهاء الحرب، بل كتكتيك لإدارتها واستمرارها، وهو ما أقرّ به قائدهم عبد الفتاح البرهان صراحة في أكثر من مناسبة.

من هنا، يصبح لزامًا على القوى المدنية أن تصطف في تحالف واسع وموحد، قادر على فرض معادلة جديدة تُجبر هذه الفئة الباغية على الاستسلام لإرادة الشعب، ووضع حد لحرب لا تخدم إلا تجار السلاح والدم، بينما يدفع ثمنها السودانيون من أمنهم وحياتهم ومستقبل دولتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!