رأي

كيف تُفْرَغ اللغة من جوهرها الإنساني وتتحوّل إلى أداة صراع؟

هويدا سنادة

 

هويدا سنادة

اللغة في أصلها فعل إنساني نبيل، وُجدت لتقريب المسافات بين البشر، وبناء المعنى المشترك، وفتح مسارات الفهم والتعاطف. غير أنّها، في لحظات الأزمات والصراعات، كثيراً ما تُنتزع من هذا الجوهر، وتُعاد صياغتها لتخدم أغراضاً مغايرة لوظيفتها الأولى، فتتحول من جسر للتواصل إلى أداة للصراع، ومن وعاء للمعنى إلى سلاح رمزي.

تفريغ اللغة من بعدها الإنساني لا يعني موتها، بل إعادة تدويرها داخل سياقات أيديولوجية مغلقة. هنا تبقى الكلمات حيّة شكلاً، لكنها مشوّهة مضموناً، إذ تُفرغ من قيمها الأخلاقية وتُحقن بدلالات جديدة تخدم مصالح محددة. تصبح المفاهيم الكبرى، مثل السلام والحرية والعدالة، شعارات مُعلّبة، تُستخدم لإنتاج خطاب يوهم بالحل بينما يكرّس جوهر الأزمة.

عندما تُختطف اللغة، يُختطف معها المعنى. فالسلام، حين يُعاد تعريفه من داخل أيديولوجيا بعينها، لا يعود قيمة إنسانية جامعة، بل يتحوّل إلى وظيفة سياسية، أو إلى أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه. في هذه الحالة ننتقل من السلام العادل إلى السلام الوظيفي؛ سلام مشروط، مرهون بإرادة جماعة أو ميزان قوى، لا بتوافق أخلاقي شامل. وهو سلام هش، قابل للانهيار عند أول اختبار، لأنه يفتقر إلى الجذور القيمية التي تمنحه الاستدامة.

تكمن خطورة هذا التحوّل في أن اللغة، بدلاً من أن تكون وسيلة لفهم متبادل، تصبح أداة استقطاب ذكية، تُجرّد من دورها المعرفي وتُسخَّر للتأثير النفسي وصناعة الصور الذهنية. عندها لا تعود الكلمات ناقلة للحقائق، بل مُنتِجة للضبابية، وتصبح مفردات السلام نفسها جزءاً من خطاب الصراع.

وحين تختلف القواميس، يستحيل اللقاء. فإذا كان كل طرف يستخدم لغة سلام مختلفة المعنى والمرجعية، فإن عملية السلام ذاتها تصبح وهمية، أو مجرّد قناع يخفي استمرار النزاع بوسائل أخرى. في هذا السياق، لا تخدم اللغة الحقيقة، بل تخدم الصورة التي يراد تصديرها، ويتحوّل الجذب اللغوي إلى فخ يسقط فيه من يبحث عن حلول سطحية.

إن استعادة المعنى الإنساني للغة شرطٌ أساسي لأي سلام حقيقي؛ سلام يقوم على العدالة، والتواصل الصادق، والاعتراف المتبادل، لا على التلاعب بالمفاهيم أو اختطافها. فاللغة، حين تُحرَّر من الأدلجة، تعود لتكون ما كانت عليه: مساحة للقاء، لا ساحة للصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!