رأي

من أنين التهميش إلى هيبة الدولة: لماذا يجب أن يتغير خطاب تحالف (تأسيس) الآن؟

خالد دناع

 

خالد دناع

لطالما كان خطاب المظلومية والتهميش وقوداً محركاً للحركات المطلبية والسياسية التي شكلت نواة تحالف السودان التأسيسي (تأسيس). هذا الخطاب، الذي استند إلى حقائق تاريخية مريرة عاشتها أقاليم السودان المختلفة لعقود، لكن بعد تحول التحالف الي فاعل رئيسي على الساحة السودانية، وقد تقدم بخطوات واثقة نحو ممارسة السلطة وإدارة شؤون المواطنين في مناطق واسعة، تفرض عليه اللحظة الراهنة استحقاقاً فكرياً وسياسياً لا يقبل التأجيل، وهو الانتقال من خطاب المظلومية والتهميش إلى خطاب الدولة والمستقبل، هذا التحول أصبح ضرورة إستراتيجية ملحة لترسيخ وتعزيز شرعية التحالف داخلياً وخارجياً، لبناء سودان جديد ينعم بالاستقرار والتنمية.

فالاستمرار في حصر الخطاب الإعلامي والسياسي في دائرة المظلومية والتهميش في هذه المرحلة، قد يتحول إلى فخ استراتيجي. فالمظلومية بطبيعتها خطاب رد فعل يبحث عن الإنصاف، بينما الدولة خطاب فعل يبحث عن الإنجاز.

فتحالف تأسيس اليوم أصبح سلطة كاملة تدير حياة الملايين، وهذا يتطلب لغة تعكس المسؤولية والقدرة على ممارسة هذه السلطة بكل تفاصيلها.

إن التحول نحو خطاب الدولة والمستقبل يعني أن يتحدث قادة (تأسيس) ومنصاته الإعلامية المختلفة بلغة المؤسسات والمسؤولية الوطنية، فالمواطن في مناطق سيطرة التحالف لا ينتظر اليوم تذكيراً بماضيه الأليم والمظلم، بل ينتظر رؤية واضحة حول كيفية تأمين معاشه، وتعليم أبنائه، وتوفير خدماته الأساسية، وبناء نظام عدلي يحميه.

خطاب الدولة هو الذي يطمئن الآخر حتى المعارض بأن هناك قانوناً يسري على الجميع، وأن المواطنة هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات، بعيداً عن أي انتماءات ضيقة. ومن الأهمية بمكان ان يعمل الخطاب بناء وتقوية جسور الثقة مع المجتمع الدولي، وتقديم رؤية واضحة للسودان المستقبلي كشريك موثوق به في المنطقة والعالم.

كما يجب أن ينعكس هذا التوجه على الدبلوماسية الخارجية للتحالف. فبدلاً من التركيز على سرد مظالم الماضي وطلب الدعم الإنساني أو السياسي، ينبغي أن يتحول الخطاب الدبلوماسي إلى لغة بناء الشراكات الاستراتيجية، وعدم الظهور كدولة تعيش علي هامش المجتمع الدولي وذلك من خلال تقديم رؤية واضحة لمستقبل السودان، والتأكيد على الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية.

ويجب على التحالف أن يتبنى خطاباً يؤكد فيه على أن الحقوق والواجبات لا ترتبط بالولاء السياسي أو العرقي او المناطقي، بل بالانتماء للوطن.

السودان بلد غني بتنوعه الثقافي والعرقي والديني. فبدلاً من أن يكون هذا التنوع مصدراً للصراع، يجب أن يتم تقديم هذا الثراء باعتباره قوة دافعة للتنمية والازدهار، وان إدارة هذا التنوع بحكمة سيعزز ويثري النسيج الاجتماعي، من خلال تبني سياسات شاملة تحترم الجميع دون تمييز، وتحصن المجتمع من خطاب الكراهية، وتستثمر في القدرات البشرية المتنوعة لبناء مجتمع قوي ومتماسك، فخطاب الدولة يجب أن يحتفي بهذا التنوع كركيزة أساسية للهوية السودانية والتماسك المجتمعي، ومحرك للتنمية الشاملة.

إن الدول لا تُبنى على أنقاض المظالم فحسب، بل تُبنى على أعمدة العدالة والمؤسسات التي تتجاوز الأشخاص والانتماءات الضيقة.

إن قوة تحالف (تأسيس) تكمن في قدرته على تقديم نموذج بديل للسودان القديم، نموذج يقوم على أسس متينة من العدالة والتنمية الشاملة. وهذا النموذج لن تكتمل ملامحه إلا بتبني خطاب المستقبل، الذي يتجاوز ردود الأفعال الي خطاب يعبر عن تطلعات الشعب السوداني، كما يجب أن يركز بدرجة كبيرة على بناء جيش وطني مهني موحد يعكس التنوع السوداني الفريد والمميز، ويحمي حدوده ومواطنيه، بعيداً عن أي ولاءات حزبية أو قبلية او مناطقية.

إن التركيز على بناء السودان الجديد يمنح التحالف شرعية الإنجاز التي تفوق في أهميتها شرعية النضال.

فالتحول في الخطاب الإعلامي والسياسي للتحالف ليس مجرد تجميل للكلمات، بل هو ضرورة استراتيجية قصوى لانتزاع الاعتراف الدولي الكامل، وقبل كل شيء، طمأنة الداخل السوداني بأن هناك رؤية واضحة لمستقبل أفضل، الداخل الي يشمل حتي أولئك الذين لم يمسهم الظلم اوالتهميش.

فعلى الماكينة الإعلامية والسياسية لتحالف (تأسيس) أن تدرك أن لغة الثورة قد تفتح أبواب التغيير وتجعله واقعاً، لكن لغة الدولة هي الوحيدة الكفيلة بالحفاظ عليه واستدامته.

إن تحالف (تأسيس) ليس مجرد تحالف سياسي، بل هو مشروع وطني شامل لبناء سودان يليق بتضحيات شعبه وطموحات أجياله القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!