
فاطمة لقاوة
لم تكن المشكلة في ما قالته سناء حمد العوض على شاشة الجزيرة، بل في ما عجزت عن قوله.
منذ اللحظة الأولى، كانت لغة الجسد أصدق من الكلمات. إرتباك ظاهر، نبرة متقطعة، محاولات مستعجلة لترميم سردية تتداعى نحو السقوط المدوي.
بدا المشهد وكأنه دفاع متأخر عن مشروع خسر معركته في الشارع، ويحاول اليوم أن يعود من بوابة الحرب،
المقابلة لم تكن حوارًا عابرًا في نشرة إخبارية، بل كانت إختبارًا لخطاب سياسي يحاول تغطية هزيمة الإسلاميين عبر الإحتماء بالمؤسسة العسكرية، وإعادة تعريف الصراع بإعتباره معركة دولة ضد تمرد.
السؤال الذي ظل غائبًا: من إختطف الدولة أولًا؟حين يُمَطّى ظهر الجيش ليحمل مشروعًا سياسيًا لفظه الشعب، لا تعود المعركة معركة وطن، بل معركة سلطة.
الجيش مؤسسة قومية، لكنه ليس مظلة لإعادة تدوير حكم سقط بثورة شعبية واضحة.
سرقة إسم الدولة لا تعني إمتلاكها، كما أن رفع شعارها لا يمنح شرعية لمن فقدها،التاريخ القريب شاهد.
إنفصال الجنوب لم يكن حادثًا طبيعيًا في مسار الدول، بل نتيجة حسابات ضيقة فضّلت البقاء في الحكم على وحدة الأرض.
اليوم، تتكرر الذهنية ذاتها: التضحية بالوطن مقابل إستعادة السلطة،الفرق الوحيد أن الثمن هذه المرة خراب مدن كاملة، و دماء مجتمع يُستنزف بلا أفق.
الأخطر في حديث سناء كان محاولة إعادة صياغة العلاقة مع الدعم السريع،الإيحاء بأن المشكلة “حكومية” لا “تنظيمية” محاولة ذكية لتبرئة الجذور وتحميل المسؤولية للفروع.
الدعم السريع لم يولد في فراغ،هو نتاج سياق سياسي وعسكري تشكّل في ظل حكم الإسلاميين، وعندما تبدلت الموازين،وأصبح هذا التكوين قوة مستقلة لم يستطيعوا تدجين قيادتها، تحوّل فجأة إلى “عدو”.
هنا كانت لحظة الصدق العفوية: قولها إن حميدتي عدو “بالنسبة لهم”،نعم، هو عدوهم، لأنهم وضعوا في خانة العداء كل من وقف في وجه مشروعهم، سواء كان الشارع الذي ثار، أو القوى التي حالت دون عودة قبضتهم المطلقة.
بعد ثورة ديسمبر، وجد الإسلاميون أنفسهم في مواجهة شعب أسقطهم، وواقع سياسي لا يسمح لهم بالهيمنة القديمة. فكان الخيار هو إعادة ترتيب المشهد بالقوة.
حرب الخامس عشر من أبريل لم تكن قدرًا سماويًا، بل نتيجة حسابات سياسية.
الحرب لم تندلع دفاعًا عن الدولة، بل دفاعًا عن مشروع يسعى للعودة،ومن يدفع الثمن؟ المواطن السوداني الذي خرج ذات يوم مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة، فإذا به يجد نفسه بين نيران سلطة سابقة تريد الثأر، ضد قوى مسلحة فضلت الإنحياز للوطن و الشعب.
إرتباك سناء عوض لم يكن خوف شخص أمام كاميرا،بل سقوط خطاب ينهار،لم يعد قادرًا على إقناع جيل كسر حاجز الخوف، وجرّب السلطة ثلاثين عامًا، وذاق نتائجها.
الشعوب قد تخطئ، لكنها لا تنسى،السؤال اليوم ليس من هو العدو في نظر الإسلاميين، بل من وضع السودان في موقع العداء مع مستقبله؟ومن يحاول إعادة كتابة الرواية، عليه أولًا أن يجيب: لماذا يخاف من ذاكرة الناس؟
ولنا عودة بإذن الله
الثلاثاء،١٧فبراير/٢٠٢٦م


