
مهدي داود الخليفة
لم تكن جلسة مجلس الأمن الخاصة بالسودان يوم الخميس 19 فبراير 2026 جلسة عادية ضمن جدول الأعمال الأممي، بل بدت أقرب إلى مرحلة تمهيد محسوبة لقرار أكبر يجري إعداده بعناية خلف الأبواب المغلقة. فالمداولات لم تُصمَّم لإنتاج نص فوري، وإنما لقياس المزاج السياسي، واختبار حدود التحفظات، وبناء أرضية توافق قبل طرح مشروع قرار هدنة إنسانية بصيغته النهائية.
في مثل هذه اللحظات، لا يُكتب القرار أولاً ثم يُبحث عن مؤيديه، بل يُبنى التوافق حوله أولاً ثم يُصاغ النص انعكاساً لهذا التوافق. والسؤال الحقيقي الآن ليس: هل سيصدر قرار؟ بل: ما هو سقف القوة القانونية والسياسية التي سيحملها؟
الرباعية الدولية الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر تتحرك ضمن معادلة دقيقة تحكمها ثلاثة اعتبارات رئيسية:
الدفع نحو وقف فوري لإطلاق النار يخفف الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
تجنب منح شرعية سياسية مسبقة لأي طرف سوداني.
ضمان عدم اصطدام المشروع بفيتو من روسيا أو الصين.
السيناريو الأكثر ترجيحاً أن تدفع الرباعية نحو هدنة إنسانية ملزمة زمنياً (30–60 يوماً قابلة للتجديد)، مصحوبة بآلية إشراف أممية محدودة الطابع، دون اللجوء إلى صياغات قسرية صريحة تحت الفصل السابع.
بعبارة أخرى، قد يكون القرار قوياً في دلالته السياسية، لكنه محسوب بعناية في بنيته القانونية لتفادي الانقسام داخل المجلس.
الموقف الروسي:
تنظر روسيا إلى الملف السوداني من زاوية براغماتية ترتبط بالحفاظ على قنوات التواصل مع الدولة السودانية ومؤسساتها، وحماية توازنات النفوذ في البحر الأحمر، وتجنب خلق سوابق أممية يمكن أن تُستخدم في نزاعات أخرى.
روسيا لا تبدو معترضة على مبدأ هدنة إنسانية، لكنها تتحفظ على إدراج عناصر قد تُفهم كآليات إكراه فوري. ومن هذا المنطلق، يُتوقع أن تتحفظ دبلوماسياً على:
أي نص يتضمن عقوبات تلقائية أو ذاتية التنفيذ.
أي آلية مراقبة ذات طابع عسكري دولي.
في ما يخص العقوبات، فإن الموقف الروسي المرجح ليس رفضاً لمبدأ المساءلة، بل رفض فرض تدابير قسرية قبل استنفاد المسار السياسي. ولذلك، من غير المتوقع استخدام الفيتو إذا خلا النص من إجراءات عقابية فورية.
الموقف الصيني:
تتحرك الصين وفق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في انهيار دولة محورية على ساحل البحر الأحمر لما لذلك من انعكاسات على الاستقرار الإقليمي وسلاسل الإمداد العالمية.
الصين تميل إلى مقاربة تدريجية تقوم على:
دعم وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية.
تخفيف لغة الإدانة السياسية.
التأكيد على أن الحل يجب أن يكون “سودانياً خالصاً”.
تجنب إدراج عقوبات أو إحالات قضائية مباشرة في المرحلة الأولى.
في ملف العقوبات تحديداً، يُتوقع أن تترك بكين الباب مفتوحاً أمام “اتخاذ تدابير إضافية عند الضرورة”، دون تفعيل مباشر لتجميد أصول أو حظر سفر أو حظر سلاح شامل.
ومن غير المرجح أن تعرقل الصين قراراً إنسانياً متوازناً، لكنها ستسعى إلى تقليص أي صياغة يمكن تفسيرها كتصعيد.
ملامح المشروع المتوقع؛
المؤشرات المتاحة توحي بأن مشروع القرار قد يتضمن:
وقفاً فورياً لإطلاق النار لفترة زمنية محددة.
فتح ممرات إنسانية آمنة تحت إشراف الأمم المتحدة.
دعوة الأطراف المدنية والعسكرية للانخراط في مسار سياسي خلال فترة الهدنة.
مطالبة الدول بوقف تدفق السلاح إلى أطراف النزاع.
تضمين صيغة تنص على أن المجلس “يبدي استعداده لاتخاذ تدابير إضافية” في حال عدم الامتثال.
النقطة الأكثر حساسية ستظل مسألة العقوبات.
المرجح أن يعتمد النص صيغة تهديد مشروط بالعقوبات دون فرضها فوراً، لتفادي الاصطدام بالموقفين الروسي والصيني.
السيناريو الأقرب يتمثل في:
عدم فرض عقوبات فورية.
تضمين فقرة تُبقي الباب مفتوحاً لإجراءات بموجب الفصل السابع إذا فشلت الهدنة أو تم خرقها بصورة جسيمة.
أما إدراج عقوبات مباشرة مثل تجميد الأصول، حظر السفر، أو حظر السلاح الشامل، فسيُعد تصعيداً قد يدفع موسكو أو بكين إلى طلب تعديلات جوهرية، وربما الامتناع أو الاعتراض.
وعليه، ستبقى ورقة العقوبات أقرب إلى أداة ضغط سياسية مؤجلة، لا آلية تنفيذ فورية.
الاختبار الحقيقي لصدور القرار يتضمن شقين:
مدي قدرة مجلس الأمن على تحقيق توافق بين القوى الكبرى.
وًمدي قدرة القرار إن صدر على ترجمة نصه إلى واقع عملي علي الارض.
فشل القرار لن يعني انهيار النظام الدولي، لكنه سيعزز الاتجاه نحو مبادرات خارج إطار الأمم المتحدة، أو تسويات إقليمية ثنائية. أما نجاحه فسيعيد تثبيت مركزية الأمم المتحدة بوصفها الإطار الشرعي لإدارة النزاعات
الانتقال المدني هو الشرط الحاسم بعد الهدنة…أي هدنة إنسانية مهما بلغت قوتها القانونية ستظل إجراءً مؤقتاً ما لم تُربط بمسار سياسي واضح يعيد السلطة إلى المدنيين عبر عملية انتقالية شفافة ومتوافق عليها. فوقف إطلاق النار ليس غاية في ذاته، بل فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس دستورية جديدة.
جوهر الأزمة السودانية سياسي قبل أن يكون إنسانياً: غياب سلطة مدنية شرعية، تغوّل السلاح على مؤسسات الدولة، وانهيار التوازن الدستوري. وإذا لم تُستثمر الهدنة في إطلاق عملية سياسية مدنية خالصة، فقد تتحول إلى مجرد استراحة محارب يعقبها جولة جديدة من الصراع.
الهدنة الحقيقية هي التي تفتح الباب لـ:
إطلاق عملية انتقال مدني كامل الصلاحيات.
وضع إطار دستوري مؤقت يحدد بوضوح علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة التنفيذية.
توفير ضمانات إقليمية ودولية لاحترام نتائج أي تسوية سياسية.
السودان لا يحتاج فقط إلى إسكات البنادق، بل إلى إعادة تعريف طبيعة الدولة نفسها. فالمعركة الجوهرية ليست بين قوتين عسكريتين، بل بين نموذج دولة تُدار بالسلاح، ونموذج دولة تُدار بالقانون.
وفي هذه اللحظة المفصلية، لا يقف السودان وحده على المحك، بل تقف معه فكرة النظام الدولي وقدرته على صناعة السلام، وقدرة السودانيين أنفسهم على تحويل الهدنة المرتقبة من مجرد توقف مؤقت للحرب إلى بداية فعلية لانتقال مدني طال انتظاره.




