
ابو عبدالله الراشدي
من يشعل نار الفتنة لا ينجو من رمادها
الهجوم الذي استهدف منطقة مستريحة بولاية شمال دارفور بطائرات مسيّرة، وأوقع إصابات وسط المدنيين وألحق أضراراً بمرافق حيوية شملت منشآت صحية ومصادر مياه، لا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع من الاستهداف الممنهج الذي ظل يضرب الإقليم كلما لاحت بوادر تحوّل سياسي أو ميداني. ما جرى ليس حادثاً عسكرياً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة تصعيد مقصودة.
المؤشرات السياسية وتوقيت العملية يدفعان بوضوح إلى تحميل جيش الحركة الإسلامية المسؤولية عن هذا الهجوم، باعتباره امتداداً لنهجٍ درجت عليه دوائر الاستخبارات العسكرية المرتبطة به طوال سنوات الحرب في دارفور. نهجٌ يقوم على هندسة الفوضى، وإثارة الفتن بين المجتمعات المحلية، واستخدام المدنيين وقوداً في معركة النفوذ.
إن استهداف المرافق الخدمية في مستريحة يكشف طبيعة الرسالة: ضرب الاستقرار المجتمعي وإثارة حالة من الغضب والارتياب المتبادل بين المكونات المحلية. فحين تُقصف مصادر المياه والمراكز الصحية، لا يكون الهدف تحقيق تقدم عسكري بقدر ما يكون خلق بيئة اجتماعية مضطربة يسهل توجيهها سياسياً. هذه سياسة “إدارة الفوضى” التي ظلت أحد أدوات الإسلام السياسي في الإقليم.
توقيت الهجوم يضاعف من وضوح الصورة. فقد جاء بعد سيطرة قوات “تأسيس” على منطقة الطينة، وفي أعقاب تحرك دبلوماسي لقيادتها نحو أوغندا بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو، في إطار انفتاح إقليمي يعكس تحولات في المشهد. كلما ظهر أفق سياسي جديد أو إعادة تموضع ميداني، سارع جيش الحركة الإسلامية إلى إشعال بؤر توتر تعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
هذا الأسلوب ليس طارئاً. خلال سنوات الحرب في دارفور، ظلت الاستخبارات العسكرية المرتبطة بالحركة الإسلامية تعتمد سياسة الزج بالمجتمعات في صراعات جانبية، عبر بث الشائعات، وتحريك خلايا التخريب، وتغذية النزاعات المحلية، لإضعاف أي مشروع سياسي منافس وإبقاء المشهد في حالة سيولة مستمرة. إنها معركة تُدار على أعصاب الناس قبل أن تُدار في الميدان.
المعركة الحقيقية اليوم ليست بين قبائل دارفور، بل بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الدولة على أسس جديدة، ومشروع قديم يعيش على الانقسام ويقتات من استمرار الفوضى. والرهان على تفجير التعايش الاجتماعي لن يصنع انتصاراً دائماً، بل سيعمّق جراح الإقليم ويؤخر أي مسار للاستقرار.
إن تحميل جيش الحركة الإسلامية مسؤولية هذا الهجوم ليس موقفاً انفعالياً، بل قراءة سياسية لسياقٍ متكرر يتزامن فيه التصعيد العسكري مع أي تحرك سياسي أو دبلوماسي لا يخدم مصالحه. السودان يقف اليوم أمام خيارين: إما كسر دائرة الفوضى، أو الاستسلام لمنهجٍ يجعل من إشعال الفتن أداة تفاوض.
دارفور، التي دفعت أثماناً باهظة عبر عقود، ليست بحاجة إلى مزيد من النيران. والوعي الشعبي هو السد الأول أمام محاولات تمزيق النسيج الاجتماعي. فالفوضى قد تمنح أصحابها نفوذاً مؤقتاً، لكنها في النهاية تحرق الجميع.




