
عمار نجم الدين
في البدء كانت الكلمة… ثم جاء البرهان ليحولها إلى نقيضها.
لم يعد الخوف في السودان من الرصاصة التي لا تخطئ، بل من الكلمة التي لا تصيب. في زمن الوجع السوداني، صار الخطاب السياسي أشبه بـ”مسكن موضعي” يُحقن في الوعي الجمعي ليُخدره، بينما تُبتر الأطراف الحقيقية للوطن في غرف العمليات السرية. الجنرال عبد الفتاح البرهان لا يمارس السياسة، إنه يمارس “الكيمياء”: يحول الدم إلى خطاب، والدمار إلى شعار، والهزيمة إلى انتظار. يحدثنا عن “تحرير الأرض” وكأن الخرطوم لم تسقط، وعن “النصر” وكأن الجيش لم يخسر معاركه إلا في جيوب الخريجين.
هذه هندسة عكسية للواقع، لكن خلف الستار الكثيف، تجري الحقيقة في مسارات تقنية باردة وتحركات إقليمية بالغة الدقة. فبينما يخطب البرهان عن الصمود، يقود نائب وزير الخارجية السعودي، المهندس وليد بن عبدالكريم الخريجي، جولات سرية الأجندة ومعلنة الوجود، بدأت فصولها المحتدمة باللقاءات التي جرت في جوبا (جنوب السودان) وبانغي (أفريقيا الوسطى) هذا الأسبوع، لتمتد غداً إلى أنجامينا (تشاد). هذه الجولة هي “عملية جراحية” تهدف لفك خناق الدولة عبر مقايضة الجغرافيا بالسياسة، والعمل استراتيجياً على خنق “قوات التأسيس” عبر دول الجوار.
إن تحركات الخريجي، المتزامنة مع موافقة البرهان “تحت الطاولة” على بنود الرباعية، تكشف أن “الخطة الحقيقية” تسير في اتجاه مغاير تماماً للوعيد العلني. نحن نتحدث عن مصفوفة فنية تشمل “نقاط فصل” دقيقة بين القوات، وتسمية لجان مراقبة دولية، بل والتوافق على “تجفيف” الوجود الأيديولوجي كشرط لتدفق الدعم وفتح الممرات الحدودية.
هذا التناقض البنيوي بين ما يُقال للجمهور وما يُطبخ في أروقة الرباعية هو مقامرة “صالحية” بامتياز؛ ففي اليمن، ظن علي عبد الله صالح أن المناورة بالكلمات يمكن أن تسبق الواقع، إلى أن اصطدمت خيوطه ببعضها فانقطع الحبل. في السودان، تحوّل الكذب إلى منهج، إلى حالة “الكذوب” الذي يرى في الكلمة أداة عبور مؤقتة. المشكلة أن الشعوب قد تُخدع مرة، لكنها في لحظة ما تبدأ بقراءة الفجوة بين القول والفعل.
إن المشهد السوداني اليوم هو مسرح عرائس متقن؛ يُحرك البرهان خيوطه من غرف الرباعية وجولات المبعوثين السريين، بينما يطلب من الجمهور التصفيق لظلال “السيادة” على الجدار. لكن المسافة بين “نقطة الفصل” في التفاوض و”نقطة الصفر” في الخطاب هي مسافة مليئة بالدم. والستار إذا طال عليه الإيهام، مزقه الجمهور. وعندها، لن يُسأل الجنرال عن بلاغته، بل عن التوقيت الذي قرر فيه أن يبيع للناس “وهماً” بينما كان يشتري لنفسه “مخرجاً”.
السؤال الوحيد المتبقي: أي الصباح سيكون؟ صباح الحقيقة، أم صباح الحساب؟




