رأي

أزمة الضمير وأمراض النفس أسباب الفشل والوعد بالتعافي.

سهيبه مريش

 

سهيبه مريش

إن الحديث عن أسباب فشل المشاريع الكبرى، سواء كانت على مستوى الأفراد، أو المجتمعات، أو حتى التحولات السياسية العميقة كالديمقراطية، يقودنا حتمًا إلى تشخيص دقيق لحالة الوجدان الإنساني الداخلي. فالأزمة الظاهرية غالبًا ما تكون انعكاسًا لأزمة أعمق تكمن في أزمة الضمير والأمراض النفسية المتأصلة التي تعيق العمل الجماعي والتقدم المنشود. إن الحسد والغل والأنانية المفرطة ليست مجرد صفات سلبية عابرة، بل هي عوائق بنيوية تقوض أي محاولة لبناء مجتمع متماسك أو تحقيق تحول ديمقراطي سليم.

إن تفكيك هذه المعادلة يبدأ بفهم كيف تؤثر هذه الأمراض النفسية على السلوك البشري. الحسد، على سبيل المثال، هو رغبة مدمرة في زوال النعمة عن الآخر، وهو نقيض روح التنافس الصحي البناء. عندما يسود الحسد في بيئة ما، يتحول الجهد المبذول نحو التشكيك في نجاح الآخرين وتثبيطهم بدلًا من محاولة اللحاق بهم أو تجاوزهم بالإبداع والعمل الجاد. هذا يقتل الحوافز ويجعل النجاح الفردي مصدر خوف وريبة بدلًا من أن يكون مصدر إلهام عام. وفي السياق السياسي، يظهر الحسد كرفض لأي شكل من أشكال التميز أو القيادة الناجحة، مما يدفع البعض إلى تدمير الإنجازات القائمة خشية أن يتقدم عليها منافسون أو خصوم.

أما الغل، فهو أشد ضراوة، حيث يمثل تراكمًا للضغينة والاستعداد الدائم للانتقام أو الإضرار بالغير لمجرد كونه مختلفًا أو منافسًا. عندما يتغلغل الغل في النسيج الاجتماعي والسياسي، يصبح العمل المشترك مستحيلًا. فالتحالفات تكون مؤقتة ومبنية على المصالح الآنية، وتتحول القرارات إلى أدوات لإشباع الرغبات الانتقامية بدلًا من تحقيق المصلحة العامة. إن التحول الديمقراطي، الذي يتطلب ثقافة التسامح وقبول الآخر والتنازل المشروع، يصطدم مباشرة بجدار الغل المتجذر. الديمقراطية تقوم على فكرة أن الخصم السياسي اليوم هو شريك الغد في بناء الوطن، ولكن عندما يحمل كل طرف سكين الغل، فإن أي تسوية تصبح مجرد هدنة مؤقتة قبل تجدد الصراع.

ويأتي الجانب الثالث والأكثر تدميرًا وهو الأنانية المفرطة، أو ما يمكن تسميته بتضخم الذات. هذه الأنانية تدفع الفرد إلى رؤية العالم كمسرح تدور أحداثه حول مصالحه الشخصية الضيقة، متجاهلًا تمامًا الحاجة إلى المصلحة العامة أو حقوق الآخرين. في عالم السياسة، تترجم الأنانية المفرطة إلى فساد مستشرٍ، حيث يُستغل المنصب العام كأداة لإثراء الذات وتجميع السلطة دون رادع أخلاقي. عندما يغلب الأنا على النحن تنهار مؤسسات الدولة لأن كل فرد يسعى لخدمة مصلحته الخاصة على حساب سلامة النظام ككل. فشل المشاريع التنموية أو تعثر عمليات الإصلاح غالبًا ما يعود إلى سيطرة النخب التي تضع مصالحها الضيقة فوق مصلحة الأمة.وحكومة الإنقاذ كانت نموذجا صارخ

إن التحول الديمقراطي، كعملية معقدة تتطلب تضحيات وتوافقًا وتنازلات، ينهار عندما تحكمه هذه الأمراض النفسية. فالديمقراطية ليست مجرد إجراءات انتخابية، بل هي أخلاقيات وسلوكيات مجتمعية. إذا كان الفاعل السياسي يفضل الإضرار بالعملية الديمقراطية بأكملها على أن يخسر مقعدًا أو سلطة، فهذا دليل على أن أزمة الضمير هي الدافع الأساسي، وليس الإيمان بمبادئ الحكم الرشيد. التجارب العديدة في العالم تظهر أن المجتمعات التي تفتقر إلى الإيمان العميق بقيم النزاهة والعدالة الاجتماعية تظل عالقة في دوامة الصراع الداخلي، حيث يتم استخدام الديمقراطية كقناع لإخفاء أجندات أنانية وحسدية.

ولكن هذا التشخيص القاتم لا يعني اليأس المطلق. النقطة المضيئة تكمن في الاعتراف بأن هذه الأمراض قابلة للعلاج، وأن التعافي ممكن. وهذا التعافي يبدأ بالوعي الكافي. عندما يدرك المجتمع أن جذور مشاكله ليست اقتصادية أو تقنية فحسب، بل هي في المقام الأول أخلاقية ووجدانية، عندها يمكن توجيه الجهود نحو العلاج الحقيقي.

إن العلم والمعرفة هما مفتاح هذا التداوي. العلم يزودنا بالأدوات اللازمة لفهم الطبيعة البشرية وتطور المجتمعات، والمعرفة تفتح العقول على نماذج حضارية أخرى نجحت في تجاوز مثل هذه الأزمات الداخلية. التعليم الحقيقي، الذي لا يركز فقط على نقل المهارات بل يغرس أيضًا القيم المدنية والأخلاقية، هو الحصن الأول ضد تغلغل الحسد والغل. عندما يمتلك الأفراد رؤية واضحة للعالم قائمة على المنطق والفهم العميق، تقل قدرتهم على الانجراف وراء المشاعر الهدامة كالحسد، لأن النجاح يصبح مفهومًا كناتج للعمل وليس كرزق محتكر للآخرين.

في هذا السياق، يبرز السودان كنموذج يقع على عتبة هذا التعافي المحتمل. لقد مر السودان بتجارب تاريخية قاسية كشفت بوضوح كيف يمكن للصراعات الداخلية، المدفوعة غالبًا بالانقسامات القبلية والجهوية والأنانية السياسية، أن تعرقل مسيرة التنمية والتحول نحو الاستقرار. لكن اللحظات الفاصلة في تاريخ السودان الحديث أظهرت أيضًا قدرة هائلة على التضحية والوعي الجمعي عندما تشتد الأزمة. الطريق إلى التعافي الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي في السودان، وفي أي مجتمع مشابه، لن يمر عبر الحلول السطحية أو التغييرات الظاهرية للمناصب، بل سيعتمد بشكل حاسم على تليين الحديد الداخلي، أي تليين القلوب والعقول المتمسكة بالضغائن القديمة والأنانية الموروثة.

إن تليين هذا الحديد يتطلب جهدًا مستمرًا في بناء ثقافة المساءلة والشفافية، وإعلاء شأن الكفاءة والنزاهة فوق الولاءات الضيقة. العلم والمعرفة يجب أن يصبحا القوة الدافعة التي توحد الرؤى المستقبلية بدلًا من أن تكون مصدر تباين. عندما يستثمر المجتمع في إدراك أن نجاح الفرد مرتبط بنجاح الجماعة، وأن ازدهار الوطن هو الضمان الوحيد للأمن الشخصي، حينها فقط يبدأ الضمير في الاستفاقة من سباته.

في الختام،

إن فشل أي مشروع، وخاصة التحول الديمقراطي المعقد، يعود في جوهره إلى أمراض الروح والأخلاق التي تتجسد في الحسد والغل والأنانية. هذه القوى الداخلية تحول دون رؤية الإمكانات المشتركة وتجعل من النجاح الجماعي هدفًا ثانويًا. لكن الأمل يبقى معقودًا على قوة الوعي المتنامي، المدعوم بالعلم والمعرفة، القادر على كسر قيود الأنانية المتأصلة وتليين الحديد الصدئ في الضمائر. إن السودان، بصفته مثالًا حيًا لهذه المعركة، يقف شاهدًا على أن التعافي ليس حلمًا بعيد المنال، بل هو نتيجة حتمية لصحوة الضمير الجماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!