اخبار

تحالف الحرب والسلطة: كيف يعيد البرهان والإسلاميون تشكيل المشهد السياسي في السودان؟

التنوير نقلا عن سكاي نيوز عربية 

 

التنوير نقلا عن سكاي نيوز عربية 

تحالف الحرب والسلطة: كيف يعيد البرهان والإسلاميون تشكيل المشهد السياسي في السودان؟ تتجاوز الميدان إلى مستقبل الحكم

مع استمرار الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، بل تحولت إلى صراع أعمق يتعلق بشكل الدولة ومستقبل السلطة في البلاد. وفي قلب هذا الجدل تبرز تساؤلات متزايدة حول طبيعة العلاقة بين قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان والتيارات الإسلامية التي تقاتل إلى جانبه، وسط تقارير إقليمية ودولية تتحدث عن شبكة معقدة من التحالفات السياسية والعسكرية التي تشكلت داخل معسكر الجيش.

وبينما تشير بعض التقارير إلى وجود توتر أو خلافات داخل المؤسسة العسكرية بين القيادة العسكرية وهذه التيارات، يرى عدد من المحللين أن ما يجري في الواقع ليس صراعاً داخلياً بقدر ما هو تحالف سياسي وعسكري عميق، تفرضه الخلفيات المشتركة والروابط التنظيمية التي نشأت داخل الدولة السودانية خلال عقود حكم الحركة الإسلامية.

جذور العلاقة بين البرهان والإسلاميين

يرى محللون سياسيون أن العلاقة بين البرهان والتيار الإسلامي ليست وليدة الحرب الحالية، بل تمتد جذورها إلى سنوات طويلة داخل المؤسسة العسكرية التي أعاد تشكيلها نظام الرئيس المعزول عمر البشير.

فخلال تلك السنوات، شهد الجيش السوداني عملية إعادة بناء واسعة شملت ترقية ضباط موالين للحركة الإسلامية أو قريبين من شبكاتها التنظيمية. وقد أدى ذلك إلى نشوء طبقة قيادية داخل الجيش ترتبط سياسياً واجتماعياً بهذا التيار.

ويقول المحلل السياسي عبد العزيز فاروق إن البرهان “نشأ وترعرع سياسياً وعسكرياً داخل منظومة حكم الإسلاميين، وبالتالي فإن شبكة علاقاته داخل الجيش والأجهزة الأمنية ترتبط بشكل وثيق بهذا التيار”.

ويضيف أن الحديث عن قطيعة بين البرهان والإسلاميين يتجاهل حقيقة أن عدداً كبيراً من الضباط الذين يشغلون مواقع قيادية في المؤسسة العسكرية اليوم صعدوا في ظل نظام البشير، وأدوا قسم الولاء للحركة الإسلامية التي حكمت السودان لثلاثة عقود.

انقلاب 2021: نقطة التحول الكبرى

شكل الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 نقطة مفصلية في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيار الإسلامي. فبعد سقوط نظام البشير في عام 2019 دخل السودان مرحلة انتقالية قامت على شراكة هشة بين العسكريين والقوى المدنية.

غير أن تلك الشراكة انتهت بانقلاب أطاح بالحكومة المدنية، وهو ما فتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة.

ويرى الباحث في شؤون القرن الإفريقي علي ممدان أن ذلك الانقلاب لم يكن مجرد صراع بين العسكريين والمدنيين، بل كان أيضاً لحظة إعادة تموضع للقوى السياسية داخل مؤسسات الدولة.

ويقول إن “الانقلاب أعاد فتح المجال أمام عودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي والإداري، ولكن هذه المرة عبر تحالف غير معلن مع القيادة العسكرية”.

هذا التحول، بحسب محللين، مهد الطريق لتشكل تحالف سياسي جديد داخل السلطة، يضم قيادة الجيش وعدداً من القوى المرتبطة بالنظام السابق.

الحرب كفرصة لإعادة بناء التحالف القديم

مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أبريل 2023، دخلت مجموعات إسلامية مسلحة إلى ساحة القتال إلى جانب الجيش.

ومن أبرز هذه التشكيلات كتيبة البراء بن مالك، إضافة إلى مجموعات أخرى تضم عناصر من أنصار النظام السابق وشبكات تنظيمية مرتبطة بالحركة الإسلامية.

ويرى مراقبون أن مشاركة هذه المجموعات لم تكن مجرد دعم عسكري عابر، بل أصبحت جزءاً من التحالف السياسي والعسكري الذي يتشكل حول الجيش.

ويقول فاروق إن الحرب “منحت البرهان فرصة لإعادة بناء تحالف السلطة الذي كان قائماً في عهد البشير، ولكن بصيغة مختلفة يكون فيها هو القائد العسكري الأول”.

ويضيف أن القيادة العسكرية تدرك أن الإسلاميين يشكلون قاعدة تنظيمية وسياسية واسعة داخل المجتمع والجيش، وهو ما يجعل التحالف معهم خياراً عملياً في ظل الحرب.

الدعم الإيراني… البعد الإقليمي للتحالف

أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في هذا التحالف يتعلق بالدعم الذي تتلقاه بعض التشكيلات المقاتلة إلى جانب الجيش من إيران.

فخلال العامين الماضيين تحدثت تقارير عديدة عن تنامي العلاقات العسكرية بين الجيش السوداني وطهران، خاصة في مجال الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة.

ويرى محللون أن هذا التقارب لا يمكن فصله عن العلاقة التاريخية التي ربطت النظام السابق في السودان بإيران خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية.

وفي هذا السياق، يشير مراقبون إلى أن التيارات الإسلامية داخل السودان تنظر إلى إيران باعتبارها حليفاً استراتيجياً في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية.

كما أن الحرب الحالية وفرت فرصة لإحياء هذا المحور، خاصة مع حاجة الجيش إلى مصادر تسليح جديدة بعد تعقيد علاقاته مع بعض القوى الدولية.

طموح السلطة بعد انتهاء الحرب

يعتقد عدد من المراقبين أن البرهان يسعى من خلال هذا التحالف إلى إعادة إنتاج نموذج الحكم الذي كان قائماً قبل سقوط نظام البشير، ولكن مع إعادة ترتيب مراكز القوة داخل السلطة.

فبدلاً من هيمنة الحركة الإسلامية بشكل مباشر على الدولة، قد يظهر نموذج جديد تكون فيه القيادة العسكرية هي مركز السلطة، بينما يشكل الإسلاميون قاعدة سياسية وتنظيمية داعمة.

ويقول الباحث علي ممدان إن البرهان “يحاول تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على توحيد المؤسسة العسكرية وإدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب”.

ويضيف أن استمرار الحرب عزز موقع القيادة العسكرية داخل السلطة، مشيراً إلى أن الواقع الميداني يجعل من الصعب تصور انتقال سياسي حقيقي في ظل موازين القوى الحالية.

مستقبل السودان بين التحالفات العسكرية والسياسة

مع استمرار الحرب دون أفق واضح للحل، يواجه السودان تحدياً كبيراً يتعلق بمستقبل نظام الحكم بعد انتهاء الصراع.

فإذا تمكن الجيش من تثبيت سيطرته على السلطة بدعم من التيار الإسلامي، فقد يشهد السودان عودة نموذج حكم قريب من النظام الذي أطاحت به ثورة ديسمبر 2019.

أما إذا نجحت الضغوط الدولية أو التسويات السياسية في فرض صيغة انتقالية جديدة، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي بشكل مختلف.

لكن المؤكد أن العلاقة بين البرهان والتيارات الإسلامية ستظل أحد العوامل الرئيسية التي ستحدد شكل السلطة في السودان خلال السنوات المقبلة.

وفي ظل استمرار القتال وتدهور الأوضاع الإنسانية، يبقى السؤال الأهم: هل ستقود هذه التحالفات إلى استقرار سياسي بعد الحرب، أم أنها ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع على السلطة داخل الدولة السودانية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!