
نجم الدين دريسة
الأمم التي لا تواجه تاريخها بصدق، تظل أسيرة أخطائه
كلما اشتدت الأزمات في السودان، عاد بعض قادة المؤسسة العسكرية إلى ترديد الأسطوانة القديمة عن “قومية الجيش” ودوره في حماية الوطن. غير أن هذه الرواية التي يكررها قادة مثل ياسر عبد الرحمن العطا لم تعد تقنع أحداً، لأن التاريخ السوداني نفسه يقدم رواية مختلفة تماماً؛ رواية تكشف أن ما يسمى بالجيش القومي كان في كثير من المراحل مؤسسة نشأت خارج إرادة السودانيين، وظلت لزمن طويل أداة للهيمنة السياسية والأيديولوجية أكثر من كونها مؤسسة وطنية جامعة.
فالحقيقة الأولى التي غالباً ما يتم تجاهلها هي أن الجيش السوداني لم يولد مع الدولة السودانية الحديثة، بل سبقها بسنوات طويلة. فقد تأسس ما عُرف بقوة دفاع السودان في ظل الحكم الاستعماري البريطاني قبل استقلال البلاد بأكثر من ثلاثة عقود، وكان الهدف من إنشائه حماية مصالح الإمبراطورية البريطانية في المنطقة، وليس بناء مؤسسة وطنية تعكس إرادة الشعب السوداني أو تنوعه الاجتماعي والثقافي.
هذه النشأة الاستعمارية تركت أثراً عميقاً في بنية المؤسسة العسكرية. فمنذ بداياتها ظلت القيادة العليا للجيش تأتي في الغالب من مناطق محددة من السودان، وهو ما خلق اختلالاً واضحاً في التمثيل داخل المؤسسة العسكرية. وعلى مدى قرن كامل تقريباً، لم يعكس تكوين القيادة العسكرية التنوع الجغرافي والثقافي الواسع الذي يميز السودان، الأمر الذي جعل فكرة “القومية” التي يُتحدث عنها اليوم موضع تساؤل دائم.
لكن المشكلة لم تكن في البنية الاجتماعية للمؤسسة العسكرية فحسب، بل في علاقتها المستمرة بالسياسة. فمنذ السنوات الأولى للاستقلال ظل الجيش لاعباً رئيسياً في الصراع على السلطة، وتحول في كثير من الأحيان إلى العقبة الأكبر أمام تطور التجربة الديمقراطية في السودان.
ففي عام 1969 شهد السودان أول انقلاب كبير قاده ضباط متأثرون بالأيديولوجيا اليسارية، في ما عرف بانقلاب مايو، الذي أطاح بالحكومة المدنية. وقد جرى هذا الانقلاب في سياق إقليمي ودولي معقد، وشهد دعماً سياسياً من أطراف خارجية، بينها الدولة المصرية آنذاك. كان ذلك الحدث مؤشراً مبكراً على قابلية المؤسسة العسكرية للاختراق الأيديولوجي والتوظيف السياسي.
لكن التحول الأكثر عمقاً جاء بعد انقلاب يونيو 1989، حين سيطرت الحركة الإسلامية على السلطة عبر انقلاب عسكري أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة. ومنذ تلك اللحظة دخل الجيش مرحلة جديدة من التسييس الأيديولوجي المنظم. فخلال أكثر من ثلاثين عاماً، تحولت المؤسسات العسكرية، وعلى رأسها الكلية الحربية، إلى فضاءات لإنتاج ضباط مرتبطين فكرياً وسياسياً بالمشروع الإسلاموي.
هذه العملية الطويلة من إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية أدت إلى تحويل الجيش من مؤسسة مهنية يفترض أن تقف على مسافة واحدة من الجميع، إلى مؤسسة تحمل بصمة أيديولوجية واضحة. ولذلك فإن الحديث عن “قومية الجيش” اليوم يبدو، بالنسبة لكثير من السودانيين، أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى وصف دقيق للواقع.
والأكثر إثارة للجدل أن تاريخ الحروب التي خاضها الجيش السوداني يعكس نمطاً لافتاً: فمعظم هذه الحروب لم تكن ضد تهديدات خارجية، بل ضد مواطنين سودانيين داخل حدود البلاد. فقد خاض الجيش حروباً طويلة في جنوب السودان قبل انفصاله، ثم في جبال النوبة، ثم في دارفور، وهي حروب دفعت ثمنها مجتمعات محلية كاملة عانت من التهميش والصراع المسلح لعقود طويلة.
هذا الإرث من الحروب الداخلية ترك جروحاً عميقة في الذاكرة الوطنية، وطرح سؤالاً صعباً: كيف يمكن لمؤسسة عسكرية أن توصف بالقومية بينما كانت معظم معاركها ضد قطاعات من شعبها؟
إلى جانب ذلك، توسعت المؤسسة العسكرية تدريجياً في مجالات بعيدة عن دورها التقليدي. فقد دخلت في النشاط الاقتصادي والتجاري، وأصبحت لاعباً مؤثراً في قطاعات متعددة من الاقتصاد. كما اعتمدت في كثير من العمليات العسكرية على مليشيات وقوات موازية للقتال إلى جانبها، وهو ما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني وإضعاف مهنية المؤسسة العسكرية.
كما ظل الجيش، في نظر كثير من المحللين، جزءاً من شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية. فقد لعبت علاقات السودان مع دول الجوار، خاصة مصر، دوراً مهماً في تشكيل السياسات العسكرية السودانية عبر عقود. ويشير منتقدون إلى أن العديد من الاتفاقيات التي أثرت على موارد السودان وسيادته، بما في ذلك اتفاقيات مياه النيل المثيرة للجدل، جرت في ظل أنظمة عسكرية أو سلطوية، وليس في ظل حكومات مدنية منتخبة.
كما أن قضية مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، التي تعد من أبرز النزاعات الحدودية بين السودان ومصر، ظلت مثالاً على تعقيدات العلاقة بين السياسة العسكرية والسيادة الوطنية.
إن كل هذه الوقائع تجعل من الصعب التعامل مع الخطاب الذي يتحدث عن “جيش قومي” باعتباره حقيقة مكتملة. فالمشكلة ليست في فكرة الجيش الوطني نفسها، بل في المسار التاريخي الذي سلكته المؤسسة العسكرية السودانية، والذي جعلها عرضة للتسييس والاختراق الأيديولوجي والتأثيرات الخارجية.
واليوم، في ظل الحرب المدمرة التي يعيشها السودان، تبدو الحاجة ملحة لإعادة التفكير في دور المؤسسة العسكرية ومستقبلها. فبناء جيش وطني حقيقي لا يمكن أن يتم عبر الشعارات أو الخطابات السياسية، بل عبر إصلاحات عميقة تعيد تعريف العلاقة بين الجيش والدولة والمجتمع.
إن الجيش القومي الحقيقي هو جيش يعكس تنوع البلاد، ويخضع لسلطة مدنية ديمقراطية، ولا يتورط في السياسة أو الاقتصاد، ولا يتحول إلى أداة في يد أي أيديولوجيا أو جماعة سياسية.
أما تكرار الخطابات التي تتحدث عن قومية المؤسسة العسكرية دون الاعتراف بتاريخها المعقد وأزماتها البنيوية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الوطنية بدلاً من حلها.
فالمستقبل الذي ينتظره السودانيون ليس جيشاً يكرر روايات الماضي، بل مؤسسة عسكرية جديدة، مهنية ومحايدة، تنتمي إلى الشعب كله، لا إلى أيديولوجيا، ولا إلى منطقة، ولا إلى مشروع سياسي بعينه.




