رأي

البرهان والحرس الثوري

د.خالد تارس

 

دكتور خالد تارس

في السياسة أحياناً لقطة واحدة تكفي لتعرّية خطاباً كاملاً من الزيف. فالصور المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يقال إنها لخبراء إيرانيين يتجولون في ملاهي بورتسودان ويجلسون على كورنيش البحر الأحمر ليست مادة للتندر والشائعات، هي غالباً ما تكون صحيحة لكشف ما تحاول سلطة بورتسودان إخفاءه من تحالف (ظل) بين منظومة إسلاموية عسكرية وبين مشروع إقليمي تديره طهران. ولمزيد من التكشف اليوم اصدرت وزارة الخارجية الامريكية بياناً اعلنت فيه تصنيف جماعة الاخوان المسلمين في السودان تنظيم ارهابي، وأكدت ان مقاتلي الجماعة تلقوا تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الايراني، و ان هؤلاء العناصر نفذت اعدمات جماعية بحق المدنيين.!

لم تعد بورتسودان اليوم هي المدينة السياحية على البحر الأحمر، بل عاصمة مؤقتة لقيادة جيش البرهان، ومأوى سياسي وتنظيمي لشبكات الاسلاميين بعد سقوط نظام الخرطوم، الجماعة الاخوانية التي تتهمها الخارجية الامريكية بالسيطرة على قيادة الجيش السوداني. وبالتالي فإن ظهور خبراء إيرانيين هناك إن ثبتت، لا يمكن تفسيرة على انه زيارة بروتوكولية ولكن مؤشر صريح على أن المدينة تحولت إلى محطة جديدة في شبكة النفوذ التي تديرها طهران عبر حلفائها (الأيديولوجيين).!

لكن ما يجعل هذه الصور أكثر خطورة ليس في وجود خبراء إيرانيين ببورتسودان، ولكن في المناخ السياسي والعسكري الذي يحيط بهؤلاء الخبراء، ففي الأيام الماضية خرج متشددون من صفوف كتيبة البراء بن مالك، وهي واحدة من أكثر الكتائب الإسلامية تطرفاً تقاتل إلى جانب الجيش، ليعلنوا الاصفاف الواضح مع إيران والاستعداد الكامل للقتال دفاعاً عنها. وتصريحات لمتشددين كالناجي عبد الله والمصباح لم تكن انفعالات أيديولوجية، بقدر ما هي إعلان ولاء سياسي وعسكري لمحور ايران الاسلاموي.!

وفي هذه اللحظة تحديداً تتكشف المفارقة الفجة. ان كتائب البراء تقاتل في الميدان تحت راية الجيش وتتحرك داخل فضاء سياسي ترعاه سلطة بورتسودان، وفي الوقت ذاته تتحدث بوقاحة عن جاهزيتها العسكرية لمناصرة إيران في صراعها مع الولايات المتحدة. إنها لحظة فاضحة يتقاطع فيها خطاب (الكرامة) مع حقيقة شبكات أيديولوجية مستعدة لتحويل السودان إلى منصة حرب بالوكالة. أما رد عبد الفتاح البرهان على هذه التحديات الراديكالية هي محاولة خجولة لتخفيف الضجيج الإعلامي، وكأنه يريد إقناع العالم بأن هؤلاء ليسوا معه، بينما الحقيقة إنهم يحاربون تحت مظلته ويتحركون داخل فضائه العسكري.!

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ماذا يفعل خبراء إيرانيون في بورتسودان في هذا التوقيت؟ هل كانوا موجودين للإشراف على عمليات عسكرية وفنية في حرب السودان أم أنهم فروا بعد الضربة الامريكية الاسرائيلية لإيران؟ وفي الحالتين يظل وجودهم دليلاً على أن العلاقة بين الإسلاميين الذين يحيطون بالجيش وبين طهران هي شبكة (تعاون) تتجاوز الحدود، والاحتمال الأكثر إثارةً للقلق هو أن وجود هؤلاء لا يرتبط بالسودان وحده، وانما بمهمة أوسع على البحر الأحمر، وهناك تتقاطع المصالح العسكرية والأمنية لمحاور إقليمية تبحث عن موطئ قدم (جديد).!

هكذا تتكامل الصورة بالقلم، وجود خبراء إيرانيون او ضباط في الحرس الثوري تظهرهم عدسات الهواتف في بورتسودان مقر البرهان، وكتائب إسلاموية تقاتل مع البرهان وتعلن استعدادها للقتال دفاعاً عن طهران في نفس الوقت مع سلطة عسكرية تتظاهر بالدهشة وتقوم بتوفير الغطاء السياسي لهذا المشهد. إنها منظومة تعرف كيف تعيد إنتاج التحالفات بين الإسلاميين ومحور إيران. وإذا كان ثمة درسٍ في كل ذلك، فهو أن بورتسودان لم تعد ملاذاً لحكومة مؤقتة بقدر ما تكون منصة تتلاقى فيها أيديولوجيا الإسلام السياسي مع مشاريع النفوذ (الإقليمي). وفي هذه اللحظات لاتعود المسألة مجرد حرب داخلية بقدر تكون انزلاق خطير نحو تحويل السودان إلى ساحة جديدة لحروب الوكالة التي لا تبقي وطناً ولا تترك دولة.!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!