
أدهم الضهيب
لم يكن قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين (الحركة الإسلامية) في السودان تنظيمًا إرهابيًا مجرد خطوة سياسية عابرة، بل يمثل تحولًا مهمًا في قراءة المجتمع الدولي لطبيعة هذا التنظيم ودوره في تاريخ السودان الحديث. فهذه الجماعة التي ظلت لسنوات طويلة تقدم نفسها باعتبارها حركة سياسية ذات مرجعية دينية، أثبتت التجربة أنها كانت مشروعًا أيديولوجيًا مغلقًا قام على السيطرة على الدولة وتطويع مؤسساتها لخدمة تنظيمها.
لقد وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة في السودان عبر انقلاب عسكري أطاح بالتجربة الديمقراطية، ثم شرعوا في بناء دولة تقوم على التمكين الحزبي والإقصاء السياسي. خلال تلك الحقبة تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة التنظيم، بينما تعرض الخصوم السياسيون للقمع والاعتقال والتضييق، وانتشرت ظاهرة بيوت الأشباح التي أصبحت رمزًا لمرحلة من القمع السياسي في تاريخ البلاد.
لم تقتصر آثار هذا المشروع على الداخل السوداني فقط، بل امتدت إلى إشعال الحروب في أطراف البلاد وتعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية. فقد تم توظيف الخطاب الديني لتعبئة الشباب في صراعات سياسية وعسكرية، وهو ما أدى إلى مآسي إنسانية كبيرة دفع ثمنها المواطن السوداني في مختلف أنحاء البلاد.
ومع سقوط نظامهم بفعل ثورة ديسمبر المجيدة، بدا واضحًا أن هذا المشروع لم يقبل بسهولة بفكرة التحول الديمقراطي أو التداول السلمي للسلطة. فبدلًا من مراجعة تجربته والاعتراف بأخطائه، ظل يعمل على إعادة إنتاج نفسه عبر الفوضى والصراع، الأمر الذي أسهم في تعقيد الأزمة السودانية وإطالة أمد الحرب.
إن تصنيف الإخوان المسلمين في السودان تنظيمًا إرهابيًا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعامل مع هذا الملف، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا على مستوى المساءلة القانونية والتاريخية. فالتجربة السودانية أثبتت أن المشاريع الأيديولوجية المغلقة التي تحتكر الحقيقة وتسعى للهيمنة على الدولة لا تقود إلا إلى الاستبداد والانقسام.
ومع ذلك، فإن هذا القرار الدولي لن يكون كافيًا بمفرده إذا لم يترافق مع مشروع وطني حقيقي لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون. فالسودان اليوم بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يطوي صفحة الانقلابات والتطرف السياسي، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تحترم التنوع وتحمي كرامة الإنسان.
إن الدرس الأهم الذي يجب أن يستوعبه السودانيون من هذه المرحلة هو أن الدولة لا يمكن أن تُبنى على أساس التنظيمات العقائدية المغلقة، بل على إرادة شعبية حرة ومؤسسات قوية تحكمها القوانين لا الولاءات الحزبية. وعندها فقط يمكن للسودان أن يخرج من دوامة الصراع نحو أفق الاستقرار والسلام.




