
بروفيسور عبدالرحمن العمرابي
ليس السودان مجرد دولة وُلدت مثل غيرها من الدول الحديثة، بل رقعة من الأرض تشكّلت عبر تاريخ طويل من الممالك والمشايخ والسلطنات، ثم جُمعت قسرًا تحت ضغط الاستعمار، بين رحمته حينًا وغضبه حينًا آخر. لم يكن ذلك الجمع نتيجة تطور طبيعي لمجتمع واحد، بل كان أشبه بضمّ فسيفساء متباعدة في لوحة واحدة، تركها التاريخ بعد ذلك لتبحث عن روحها المشتركة.
منذ تلك اللحظة، بدأ السؤال الذي لم يُطرح بصدق:
ما هو السودان؟ ومن هم السودانيون؟
ولأن الإجابة لم تُصنع من داخل التجربة السودانية نفسها، لجأت النخب السياسية والفكرية إلى استعارة الإجابات من الخارج. فبدل أن ينتج السودان فلسفته الخاصة، استورد فلسفات الآخرين، وبدل أن يولّد أفكاره من واقعه، استعار أفكارًا وُلدت في بيئات بعيدة لا تشبه أرضه ولا مجتمعه ولا اقتصاده.
هكذا تنقل السودان بين الأفكار كما يتنقل المسافر بين محطات لا يعرفها.
جاءت الماركسية، بكتبها وترجمتها وأحلامها الطبقية التي نشأت في مصانع أوروبا، فحاول البعض أن يزرعها في مجتمع لم يعرف تلك المصانع أصلًا. ثم جاء فكر الإخوان المسلمين، الذي تشكّل في سياق صراع مختلف تمامًا، فحاول أن يعيد تشكيل المجتمع السوداني وفق معادلات لا تنتمي لتاريخه الاجتماعي. ثم جاءت محاولات الاشتراكية، تارة باسم العدالة وتارة باسم الدولة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى رأسمالية مشوهة، ليست رأسمالية الإنتاج، بل رأسمالية النهب والاستغلال.
وهكذا لم يعش السودان تجربة فكرية نابعة من ذاته، بل عاش تقليدًا متواصلًا لأفكار الآخرين.
غير أن المشكلة لم تكن في الأفكار وحدها، بل في محاولة “سودنتها” بطريقة مشوهة. فما أن تصل الفكرة حتى تدخل مجتمعًا لا يعرف جذورها ولا سياقها، فيتم تبسيطها، ثم تشويهها، ثم تحويلها إلى أداة صراع. وهنا لا تتغير الفكرة فحسب، بل يختل معناها حتى تفقد ما كان فيها من خير.
وما نراه اليوم ليس إلا امتدادًا لهذا المسار.
فنظرية المركز والهامش – التي نشأت في سياقات نقدية محددة – تحولت في السودان من أداة تحليل إلى خطاب تعبوي. ومن محاولة لفهم التفاوت التاريخي إلى لغة صراع تُعيد إنتاج الانقسام الذي تدّعي محاربته. وبدل أن تفتح باب العدالة، أصبحت في كثير من الأحيان مدخلًا للفرقة والعنصرية والجهوية.
هكذا بدأ السودان يتحدث بلغة المظلومية أكثر مما يتحدث بلغة الحلول، ويتجادل حول التاريخ أكثر مما يفكر في المستقبل.
وإذا نظرنا إلى نتائج ذلك، سنجد أن المشكلة لم تعد مجرد اختلاف سياسي، بل تحوّلت إلى تفكك اجتماعي عميق. مجتمعات صغيرة تتنازع داخل المجتمع الأكبر، هويات جزئية تتقدم على الهوية الوطنية، وصراعات تُغذّي بعضها بعضًا حتى يصبح الوطن نفسه ساحة صراع.
وعند هذه اللحظة، يصبح من السهل أن نلوم الخارج.
لكن السؤال الصعب هو:
هل جاء هذا الخراب من الخارج فعلًا
ربما كان الخارج حاضرًا، وربما تدخل، وربما استغل ضعف السودان، لكن المرض الحقيقي يبدو وكأنه نشأ في الداخل. كأن الجسد السوداني لم يُصب بعدوى خارجية، بل أصيب بسرطان ينمو من داخله، يأكل خلاياه واحدة بعد الأخرى بينما يظل الجميع منشغلين بالبحث عن المتهم خارج الجسد.
وإذا كان هذا التشخيص قاسيًا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يصبح أكثر قسوة:
هل السودان دولة فشلت في إدارة نفسها، أم مجتمع لم يكتشف نفسه بعد؟
ربما لهذا يبدو المستقبل في نظر كثيرين قاتمًا؛ دولة ضعيفة، حكومة غائبة، وهوية وطنية لم تستقر بعد. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أن هذا الواقع ليس قدرًا مفروضًا من الخارج، بل نتيجة خيارات سودانية تراكمت عبر عقود.
فالأمم، في النهاية، لا تبنى بما تستعيره من أفكار الآخرين، بل بما تنتجه من تجربتها الخاصة.
والسؤال الذي يجب أن يقلق كل سوداني اليوم ليس:
من المسؤول عما حدث؟
بل: هل يستطيع السودانيون أخيرًا أن يفكروا بأنفسهم، ويصنعوا فكرتهم الخاصة عن السودان؟
لأن الحقيقة القاسية التي يجب الاعتراف بها هي أن السودان، في كثير من لحظاته، لم يكن يعيش على إنتاجه الفكري، بل كان يسبح في فضلات أفكار الأمم الأخرى.
فهل آن الأوان ليخرج السودان من ظل الآخرين… ويبدأ أخيرًا في التفكير بنفسه؟




