تقارير وتحقيقات

زالنجي تحت القصف: ليلة النار التي هزّت وسط دارفور وفتحت جرحًا جديدًا في جسد السودان

التنوير زالنجي: تقرير بابكر القاسم 

 

التنوير زالنجي: تقرير بابكر القاسم 

ليلة لا تُنسى في ذاكرة المدينة

لم تكن ليلة الجمعة الموافق 27 مارس 2026 مجرد امتداد عابر لأيام الحرب، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الليالي قسوة في تاريخ مدينة زالنجي، حاضرة ولاية وسط دارفور. في تلك الساعات الثقيلة، لم يغمض جفن، ولم تهدأ النفوس، إذ وجد المدنيون أنفسهم فجأة في مواجهة مباشرة مع أصوات الانفجارات ودوي الطائرات المسيّرة التي مزقت سكون الليل، وحوّلت أحياء سكنية إلى ساحات خوف وذعر.

لقد عاش سكان الحي الشرقي، ومعسكرات النازحين المجاورة، لحظات عصيبة اختلطت فيها صرخات الأطفال بنداءات الاستغاثة، في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية التي تتكرر في مناطق النزاع.

استهداف الأحياء السكنية… حين يصبح البيت ساحة حرب

وفق إفادات محلية، استهدف القصف الجوي عدداً من المنازل في الحي الشرقي بمدينة زالنجي، حيث سقطت المقذوفات وسط تجمعات مدنية، ما أدى إلى تدمير واسع في الممتلكات وتحويل بيوت المواطنين إلى ركام متناثر.

هذا النوع من الاستهداف، الذي يقع في مناطق مأهولة، لا يخلّف فقط خسائر مادية، بل يضرب الشعور بالأمان في الصميم، إذ لم يعد المنزل الذي يُفترض أن يكون ملاذًا مكانًا آمنًا، بل بات عرضة للانتهاك في أي لحظة.

النازحون مرة أخرى في مرمى الخطر

لم تقتصر تداعيات القصف على الأحياء السكنية، بل امتدت إلى معسكرات النزوح، وعلى رأسها معسكر “خمسة دقائق”، الذي يأوي آلاف المدنيين الفارين من جولات سابقة من العنف.

وجود هذه المعسكرات في دائرة الاستهداف يعكس هشاشة الوضع الإنساني في الإقليم، حيث يعيش النازحون أصلاً في ظروف صعبة، قبل أن يجدوا أنفسهم مجددًا تحت تهديد مباشر، ما يضاعف من معاناتهم ويقوض أي شعور بالاستقرار.

إدانات رسمية وتحذيرات متصاعدة

في أعقاب هذه الأحداث، أصدرت الإدارة المدنية لولاية وسط دارفور بيانًا شديد اللهجة، أدانت فيه القصف الذي طال المدنيين، معتبرة أن استهداف الأعيان المدنية وترويع السكان يمثل انتهاكًا خطيرًا يستوجب المساءلة.

وأشارت الإدارة إلى أن القصف ألحق خسائر مادية كبيرة، وعمّق حالة الخوف بين السكان، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل، واتخاذ خطوات عملية لحماية المدنيين، بما في ذلك النظر في فرض قيود على العمليات الجوية في المناطق المأهولة.

القوى المدنية… صوت الغضب والقلق

بدورها، عبّرت القوى المدنية المتحدة (قمم) بولاية وسط دارفور عن إدانتها الشديدة للحادثة، ووصفت ما جرى بأنه تصعيد خطير يعكس تدهورًا في الوضع الإنساني والأمني.

وأكدت في بيانها أن استهداف المدنيين في منازلهم ومعسكراتهم يُعد سلوكًا مرفوضًا، يتنافى مع القيم الإنسانية، ويستدعي تحركًا جادًا لوقف هذه الانتهاكات، وحماية السكان من تبعات الصراع.

نمط متكرر من الاعتداءات

لا تُعد هذه الحادثة معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي طالت مناطق مختلفة في وسط دارفور خلال الفترة الماضية.

فمنذ منتصف عام 2024، شهدت زالنجي ومحيطها، بما في ذلك أحياء مثل الثورة والكرانك والكيلو 2، إضافة إلى مناطق مثل الفردوس وخور رملة وفارو، حوادث قصف متكررة استهدفت تجمعات سكنية ومعسكرات نزوح.

هذا التكرار يعكس نمطًا مقلقًا، ويطرح تساؤلات حول طبيعة العمليات العسكرية ومدى مراعاتها لوجود المدنيين في مناطق النزاع.

القانون الدولي الإنساني… بين النص والتطبيق

تنص قواعد القانون الدولي الإنساني على ضرورة حماية المدنيين وتجنب استهدافهم أو تعريضهم للخطر، خاصة في المناطق المأهولة. كما تؤكد على حماية الأعيان المدنية، بما في ذلك المنازل والمرافق الحيوية.

غير أن الواقع في مناطق النزاع، ومنها وسط دارفور، يكشف عن فجوة كبيرة بين هذه القواعد والتطبيق الفعلي، ما يبرز الحاجة إلى آليات أكثر فاعلية للمراقبة والمساءلة، لضمان الالتزام بهذه القوانين.

مستقبل على المحك… وضرورة التحرك

إن استمرار هذه الأحداث يضع مستقبل الإقليم، بل والبلاد بأكملها، أمام تحديات كبيرة. فكل حادثة قصف لا تترك فقط آثارًا آنية، بل تخلّف ندوبًا عميقة في النسيج الاجتماعي، وتزيد من تعقيد فرص السلام والاستقرار.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك جاد من جميع الأطراف المعنية، داخليًا ودوليًا، لوضع حد لمعاناة المدنيين، وضمان حماية الأرواح والممتلكات، والعمل على إيجاد مسار يفضي إلى إنهاء دوامة العنف.

في نهاية المطاف، تبقى زالنجي بكل ما شهدته في تلك الليلة  رمزًا لمعاناة مدن عديدة في السودان، حيث يدفع المدنيون ثمن صراع لم يختاروه، ويظلون في انتظار لحظة يستعيدون فيها حقهم الطبيعي في الأمان والحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!