رأي

​تغيير الذهنية: المبتدأ والخبر في بناء السودان الجديد

عماد جدو

 

​ عماد جدو

هذا ماكان يفكر فيه الشهيد الراحل اسامه حسن ورفاقه المايمين 

​يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي لا يحتمل أنصاف الحلول؛ فالحراك والصراع المحتدم بين مختلف الأطياف ليس مجرد نزاع على كراسي السلطة، بل هو في جوهره صرخة للخروج من عباءة “القديم” واللحاق بركب الأمم. إن السؤال الحقيقي الذي يواجهنا ليس “من يحكم السودان؟” بل “بأي ذهنية يُحكم؟”. إن الدولة التي ننشُدها، دولة التنمية والخدمات والحقوق، لن تقوم لها قائمة ما لم نبدأ بهدم صنم “التقليد والقص واللصق” الذي عطّل عقولنا لعقود.

ان ​أزمة المنهج.. أبعد من دولة 1956

​لقد بات تفكيك إرث دولة مابعد الاستعمار أمراً واقعاً، لكن المعضلة ليست في شكل الحكم، مركزياً كان أم لامركزياً. فالتاريخ يخبرنا أن “اللامركزية” طُبقت منذ العهد التركي المصري وفي عهود المديريات والأقاليم والولايات، ومع ذلك لم تأتِ أكلها. لماذا؟ لأن التغيير الحقيقي يبدأ بـ تغيير المنهج التعليمي الذي يجب أن يغرس في الأجيال ثقافة البناء لا “ثقافة التخريب”. إننا بحاجة إلى مواجهة شجاعة مع النفس؛ فكيف نتحدث عن التنمية ونحن من خربنا السكك الحديدية بـ “السكاكين الحرة” تحت تأثير عقلية أنانية شعارها: “جلداً ما جلدك جروو في الشوك”

​لا ينفصل الفشل الإداري عن الفشل الثقافي والمهني؛ فها هم مهندسونا، الذين نالوا أرفع الدرجات العلمية، يغرقون في فخ “المعمار الرأسي” الهجين الذي لا يناسب بيئتنا ولا طقسنا، متباهين بأبراج من السيخ والأسمنت تحولت في ظل الأزمات والحروب إلى أطلال تسكنها القطط والكلاب، بينما أهملوا العمران الأفقي الذي يستوعب حجمنا السكاني وطبيعة أرضنا.

​وفي الميدان الرياضي، تتجلى ذات الذهنية العاجزة؛ تنافس غير شريف يركز على “فك التسجيلات” والفريق الأول، مع إهمال متعمد للناشئين والفرق السنية التي هي عماد المستقبل. لقد حصرنا طاقتنا في كرة القدم وأهملنا بقية المناشط، تماماً كما حصرنا إبداعنا الفني والنقابي في قوالب جامدة لا تخدم التطور الحقيقي.

​إن الانحباس في “الزجاجة السياسية” وصرف كل المجهود للخروج من الأزمة السلطوية، مع إهمال الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية، هو تفكير قاصر. التغيير المنشود يجب أن يشمل كل ضروب الحياة، عبر سلطة تعمل على “رفع قدرات المجتمعات” لا الوصاية عليها.

​إننا بحاجة إلى ثقافة قانونية تجعل المواطن مدركاً لحقوقه وواجباته؛ فالعلم بالقانون واللوائح هو الدرع الحقيقي لحماية الدولة. هذا الإدراك هو “الترياق” الفعال للمحافظة على التغيير، وهو السد المنيع الذي يقطع الطريق أمام قوى الردة، من دعاة الفكر المتطرف والحركة الإسلامية وأعداء التغيير الذين يقتاتون على جهل الشعوب بحقوقها.

إن السودان الجديد ليس “لوحاً” جديداً نكتب عليه ما نشاء فحسب، بل هو “منهج تفكير” يقدس المصلحة العامة، ويحترم التخصص، ويستبدل الأنانية بالمسؤولية. لا بناء للدساتير دون بناء الإنسان، ولا استقرار للأجهزة الأمنية والشرطية دون عقيدة تضع خدمة المواطن فوق كل اعتبار. التغيير ليس مستحيلاً، لكنه يبدأ من “الذهنية” أولاً. اللهم ارحم اسامه وكل شهداء التغير من الأشاوس والاسري والمعتقلين. واشفي الجرحي وفك اسر الماسورين الذين يقبعون في سجون الظلام وعوده حميده لبقية ربوع الوطن في المناطق الغير محررة امين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!