
عبد الحفيظ الإمام
تاريخ السودان السياسي ليس سوى سلسلة من المحاولات الفاشلة لفرض المركزية على واقع التنوع، وهي محاولات اتخذت دائماً شكل الإقصاء الممنهج. لكن الحرب الحالية كشفت عن تشابه بنيوي مذهل وصادم بين عقلية “حكومة بورتسودان” التي تسيطر عليها الحركة الإسلامية، وبين قطاعات واسعة من المجتمع المدني السوداني؛ حيث يمارس الطرفان، بوعي أو بدون وعي، سياسة الاستبعاد بالهوية
تجلت عقلية السلطة في بورتسودان في أبشع صورها عبر ما عُرف بـ “قانون الوجوه الغريبة”. هذا القانون ليس مجرد إجراء أمني استثنائي تفرضه ظروف الحرب، بل هو “مانيفستو” سياسي يعيد تعريف المواطنة بناءً على الملامح والجغرافيا. إن استهداف المكونات العرقية التي ظلت تاريخياً مستبعدة من دولاب الدولة، ومطاردة الأفراد بتهمة المتعاونين بناءً على انتماءاتهم الجهوية، يمثل ذروة الفشل في بناء دولة قومية.
هذه السلطة لا تدافع عن سيادة الدولة، بل تدافع عن امتيازات المركز، مستخدمة القوانين لتصفية حسابات تاريخية مع أطراف السودان التي قررت أخيراً النهوض للمطالبة بحقوقها المسلوبة في الثروة والسلطة.
المجتمع المدني: إعادة إنتاج “المركز” بوشاح حقوقي
المفارقة المؤلمة تكمن في الجانب الآخر؛ فالمجتمع المدني السوداني، الذي نشأ في حاضنة الدولة المركزية وتغذى من ثقافتها النخبوية، يبدو وكأنه ينسخ ممارسات النظام الذي يدّعي معارضته. الكثير من المنظمات والكتل المدنية تحولت إلى “إقطاعيات” مغلقة، تسيطر عليها فئات قبلية أو شلل حزبية بعينها، تعيد توزيع فرص التمثيل والتأهيل والمشاركة وفقاً لدوائر القرب والولاء، لا الكفاءة أو العدالة الجغرافية.
إن ممارسة الاستبعاد داخل المجتمع المدني بحجة الانتماء لمؤسسات مرفوضة أو خلفيات سياسية معينة، دون الاحتكام لمعايير الحقوق المدنية الشاملة، هي في جوهرها ممارسة تشبه “قانون الوجوه الغريبة”. حين يُصادر الحق المدني للفرد في التمثيل لأنه لا يتبع الخط النخبوي للمركز، نكون أمام مجتمع مدني يعاني من نفس تشوهات الدولة التي ينتقدها.
نحن أمام مشهد سريالي:
في بورتسودان: يستبعد السوداني من حقوقه لأنه “وجه غريب” جغرافياً وعرقياً.
في أروقة المنظمات والكتل المدنية: يُستبعد السوداني لأنه غريب عن النخبة المسيطرة أو لا يحمل صك الغفران السياسي منها.
إن غياب التمثيل المتساوي في توزيع الفرص داخل مؤسسات المجتمع المدني هو الوجه الناعم لعدم العدالة في توزيع الثروة والسلطة في أجهزة الدولة. وكلاهما نتاج لعقلية واحدة ترفض الاعتراف بالآخر كشريك كامل الحقوق.
الخاتمة:
إن الحرب الحالية، بكل مآسيها، أحدثت صحوة كبرى لدى المكونات المهمشة تجاه حقوقها، وهي صحوة لن تتوقف عند حدود المطالبة برحيل نظام أو حكومة، بل ستمتد لتفكيك النخبوية الإقصائية أينما وجدت.
إن إصلاح الدولة السودانية يبدأ من إصلاح المجتمع المدني أولاً؛ فإذا لم يستطع المدنيون بناء مؤسسات ديمقراطية، قومية، وشاملة تتجاوز الانتماءات القبلية والحزبية الضيقة، فبأي حق يطالبون الدولة بأن تكون قومية؟ إن معركتنا الحقيقية هي ضد “قانون الوجوه الغريبة” الكامن في عقولنا، قبل أن يكون نصاً في دفاتر السلطة.




