تقارير وتحقيقات

برلين تكتب ملامح السودان الجديد… العالم يضغط للسلام ويحذر من لحظة الانقسام

التنوير تقرير MCN

التنوير تقرير MCN

    في مشهد يعكس تحوّلًا لافتًا في مسار التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية، احتضنت العاصمة الألمانية برلين مؤتمر المجموعة السودانية للاتصال الدولية حول السلام، تحت شعار “رؤية جديدة لحل سلمي ومستقبل ديمقراطي في السودان”، بمشاركة واسعة من شخصيات دولية، ومراكز دراسات، وقوى مدنية وسياسية سودانية، إلى جانب ممثلين عن دول أفريقية ومؤسسات إقليمية.

وجاء انعقاد المؤتمر في لحظة مفصلية، مع دخول الحرب عامها الرابع، حيث تتفاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق، ويتزايد القلق من انزلاق البلاد نحو مزيد من التفكك والانقسام، في ظل تعقيدات داخلية وتشابكات إقليمية ودولية متسارعة.

برلين… منصة دولية لإعادة تعريف الأزمة

لم يكن مؤتمر برلين مجرد لقاء تقليدي لمناقشة الأزمة السودانية، بل مثّل محاولة جادة لإعادة صياغة مقاربة شاملة للحل، تتجاوز منطق إدارة الكارثة إلى معالجة جذور الصراع. فقد جمع المؤتمر طيفًا متنوعًا من الفاعلين، من صناع القرار الأفارقة، إلى خبراء فض النزاعات، مرورًا بالقوى المدنية السودانية، في محاولة لبناء رؤية مشتركة تضع حدًا للحرب.

وشهد المؤتمر حضور شخصيات بارزة من القارة الأفريقية، بينهم مسؤولون حكوميون وخبراء في الشؤون السياسية والأمنية، ما يعكس اهتمامًا إقليميًا متزايدًا بضرورة إنهاء النزاع السوداني، لما له من تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية.

حرب بلا أفق… وأزمة إنسانية تتفاقم

أكد البيان الختامي أن الحرب الدائرة في السودان أدت إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تسببت في نزوح الملايين، وانهيار البنية التحتية، وارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

وأشار المشاركون إلى أن استمرار العمليات العسكرية لا يؤدي إلا إلى تعميق المأساة، مع تزايد أعداد الضحايا، وتدهور الأوضاع المعيشية، وحرمان ملايين السودانيين من الخدمات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والرعاية الصحية.

وشدد المؤتمر على ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لخفض التصعيد، وفتح الممرات الإنسانية، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، باعتبار ذلك أولوية إنسانية لا تحتمل التأجيل.

لا حل عسكري… السلام هو الخيار الوحيد

في واحدة من أبرز مخرجات المؤتمر، أجمع المشاركون على أن الحرب في السودان لا يمكن حسمها عسكريًا، وأن أي محاولة لفرض واقع بالقوة لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع.

وأكد البيان أن الحل يكمن في تسوية سياسية شاملة، تقوم على الحوار بين الأطراف السودانية، وتعالج الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك قضايا الحكم، والعدالة، وتقاسم الموارد.

كما شدد على أهمية بناء دولة ديمقراطية جديدة، تستند إلى أسس المواطنة والعدالة، وتضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع السوداني في صياغة مستقبل البلاد.

وحدة السودان في مواجهة شبح الانقسام

عبّر المؤتمر عن قلق بالغ إزاء تصاعد خطاب الكراهية والانقسامات المجتمعية، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى تفكك الدولة السودانية.

وفي هذا السياق، دعا المشاركون إلى الحفاظ على وحدة السودان أرضًا وشعبًا، والعمل على تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال الحوار الوطني الشامل، والاعتراف المتبادل بين مختلف الأطراف.

وأكد البيان أن أي حلول تتجاهل وحدة البلاد أو تقوم على الإقصاء لن تكون مستدامة، بل ستؤدي إلى جولات جديدة من الصراع.

دعم دولي مشروط… وضغوط لإنهاء الحرب

رحب المؤتمر بالجهود الدولية الرامية إلى دعم السودان إنسانيًا، مشيدًا بدور المنظمات الإقليمية والدولية التي تعمل في ظروف صعبة لتقديم المساعدات.

وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن استمرار الحرب يهدد الأمن والسلم الدوليين، خاصة في ظل التوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب في إيران، ما يضاعف من تعقيد المشهد.

ودعا إلى تعزيز التنسيق الدولي، وفرض ضغوط حقيقية على أطراف النزاع للانخراط في عملية سلام جادة، مع ضرورة ربط أي دعم دولي بالتقدم في مسار الحل السياسي.

إدانات صارمة… والمدنيون في قلب المأساة

أدان المؤتمر بشدة الاستهداف المتكرر للمدنيين، بما في ذلك الهجمات على المدن والقرى ومعسكرات النازحين والمستشفيات والأسواق، والتي أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، بينهم نساء وأطفال.

ووصف هذه الانتهاكات بأنها خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني، داعيًا أطراف النزاع إلى الالتزام بقواعد الاشتباك، ووقف استهداف المدنيين بشكل فوري.

كما شدد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وضمان عدم الإفلات من العقاب، باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من أي عملية سلام مستدامة.

نحو أفق جديد… هل يتحول التعهد إلى واقع؟

في ختام أعماله، أشار مؤتمر برلين إلى أن الفرصة ما زالت قائمة لإنهاء الحرب في السودان، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الأطراف المتنازعة، ودعمًا دوليًا منسقًا وفعّالًا.

وأكد المشاركون أن الطريق إلى السلام يمر عبر معالجة جذور الأزمة، وإشراك القوى المدنية، وتوفير بيئة مناسبة للحوار، بما يمهد لمرحلة انتقالية تقود إلى الاستقرار والديمقراطية.

وبينما تتجه الأنظار إلى ما بعد برلين، يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الرؤية إلى خطوات عملية على الأرض، أم تظل مجرد إعلان جديد في سجل المبادرات غير المكتملة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!