رأي

حين اختطفت الشلة مشروع التغيير.. رسالة عاجلة إلى القائد الذي لا يكذب أهله

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

القائد العظيم لا يخشى الحقيقة، لأن الصدق وحده هو الطريق الأقصر إلى النصر

ما يجري اليوم داخل مشروع التغيير لم يعد مجرد تعثرات عابرة أو أخطاء يمكن تجاوزها بالصمت والمجاملات. ما يحدث أصبح أزمة مكتملة الأركان، عنوانها التخبط في التعاطي التنظيمي، وغياب المؤسسات، وتفشي الشللية، وسيادة العملية العشائرية على حساب روح المشروع الوطني الكبير الذي التف حوله الناس أملاً في التحرير والعدالة وبناء دولة جديدة.

لقد ظن كثيرون أن التغيير جاء ليطوي صفحة الكيزان وممارساتهم، فإذا بالبعض يعيد إنتاج ذات الأدوات القديمة، ولكن بوجوه جديدة وشعارات مختلفة. فبدلاً من المؤسسية، حضرت الشلة. وبدلاً من العدالة، حضرت المحاصصة. وبدلاً من الرؤية الوطنية، حضرت الحسابات الضيقة.

إن أخطر ما يواجه أي مشروع سياسي ليس خصومه في الخارج، بل العطالة الفكرية في الداخل، وغياب الخيال السياسي، والفقر الفكري الذي يجعل بعض من يتصدرون المشهد غير قادرين على الانتقال من عقل القبيلة إلى عقل الدولة، ومن منطق الجماعة إلى منطق الوطن. ولهذا أصبحت القرارات تُدار بالرغبة والرغائبية، لا بالتخطيط، وبالمزاج لا بالمؤسسات، وبالانطباع لا بالرؤية.

لقد برز ضعف الهياكل السياسية والسلطة بصورة لا تخطئها العين. فلا يمكن أن تؤسس سلطة محترمة في ظل غياب الأبنية والهياكل التنظيمية والسياسية التي تمثل المرجعية الفكرية والسياسية للسلطة نفسها. فالسلطة بلا تنظيم ناضج، كجسد بلا عمود فقري، سرعان ما ينحني أمام أول اختبار.

ومن نتائج هذا الخلل، ظهرت السلطة كلها متمركزة إثنياً وجغرافياً في مناطق بعينها، لأن الشلة التي تدير الأمر جاءت من ولايات محددة، ولم تستطع التفكير خارج إطارها العشائري والجغرافي. فبدلاً من النظر إلى السودان كلوحة واسعة متعددة الألوان، جرى التعامل معه كحديقة خاصة تُدار لمصلحة الأقربين.

ولعل المثال الأوضح على هذا الخلل ما ظهر في مجلس الأقاليم، حيث تم تغييب ولاية شمال دارفور، وهي من أهم ولايات السودان ومركز الثقل السياسي والتاريخي، في الوقت الذي مُنحت فيه ولايات أخرى تمثيلاً بأربعة مقاعد أو أكثر، مع وجود ما يزيد على ستة أشخاص من قبيلة واحدة في بعض المواقع. وهذا ليس مجرد خطأ إداري، بل خطل سياسي يؤكد أن العقلية التي تدير العملية ما زالت غير ناضجة، وغير قادرة على استيعاب مسؤوليات بحجم الوطن.

لقد ظللنا نردد أن التغيير ضد الكيزان، لكن للأسف عاد الكيزان إلى الواجهة داخل مشروع التغيير نفسه عبر البعد القبلي والعشائري، وعبر ذات عقلية التمكين والإقصاء، لا عبر اللافتة القديمة فقط. والأسوأ أن بعض من تبوأوا مواقع تنظيمية وسياسية تم تقديمهم بحجة أنهم وقفوا مع المشروع، أو دافعوا عنه بالسلاح، أو فقدوا ذويهم وأقاربهم. وهذا منطق مختل، لأن التضحية محل احترام، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة رجل دولة أو مسؤول ناجح.

بل إن المفارقة المؤلمة أن شخصيات ظلت باقية مع البشير حتى لحظة السقوط، وجدت لنفسها مواقع في المشهد الجديد، بينما جرى تهميش آخرين فقط لأنهم خارج دائرة الشلة والنفوذ. ولهذا لم يعد مقبولاً الاستمرار في ترديد خطاب معاداة الكيزان، بينما ذات العقلية تتمدد في الداخل بأسماء أخرى.

إن الصمت على هذه التجاوزات خيانة عظمى لمشروع التغيير. لأن السكوت على الخطأ حين يصبح منهجاً، يعني أن المشروع بدأ يفقد روحه، وأن الشعارات تحولت إلى لافتات بلا مضمون.

وهنا تأتي الرسالة الواضحة إلى السيد القائد محمد حمدان دقلو، قائد التغيير ورائد التحرير، وهو الذي عرفناه القائد الذي لا يكذب أهله:

هل ترضى أن يُدار هذا المشروع العظيم بهذه الصورة المرتبكة؟

هل يرضيك هذا الظلم في التمثيل، وهذا الاحتكار في القرار، وهذا العبث بروح التغيير؟

هل تقبل أن تتحول آمال الناس إلى رهينة في يد مجموعة ضيقة لا ترى السودان إلا من نافذة مصالحها؟

لقد عرفك الناس قائداً صريحاً لا يجامل في الحق، ولا يكذب أهله، ولذلك فإن الواجب اليوم يفرض عليك مراجعة شاملة، وإعادة النظر ألف مرة فيمن حولك، وفي من يسمون أنفسهم حكماء المرحلة، بينما الأخطاء تتكاثر كل يوم، والثقة تتراجع، والغضب يتسع.

إن من تسميهم بعض الدوائر الأنبياء السبعة، أثبتت التجربة أن كثيراً منهم صاروا عبئاً على المشروع، وأن النصيحة غابت، وحضرت المجاملة، وتقدمت المصالح على الوطن.

المطلوب الآن ليس تمشيط الأزمة وتجميلها، ولا دفنها بقملها، بل مواجهة الحقيقة بشجاعة:

إعادة بناء الهياكل التنظيمية والمؤسساتية.

إنهاء نفوذ الشلل والدوائر المغلقة.

مراجعة التمثيل الجغرافي والإثني بعدالة.

تقديم الكفاءة على الولاء.

فتح أبواب النقد والمحاسبة بلا خوف.

فالمشروعات الكبرى لا تسقط فقط بقوة خصومها، بل تنهار حين يُترك أمرها لصغار العقول وضيق الأفق.

والناس اليوم لا يريدون خطابات جديدة، بل يريدون قراراً شجاعاً يعيد المشروع إلى أصله: مشروع وطن، لا مشروع شلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!