من مطار بورتسودان إلى حكم الإرهاب.. كيف تحوّلت “الونسة” والصور القديمة إلى خمس سنوات سجن؟
التنوير تقرير قسم الاخبار

التنوير تقرير قسم الاخبار
ملف يثير العاصفة من جديد

تكشف أوراق قضية الشاب محمد حافظ آدم ريمة، كما وردت في مستندات المحاكمة وطلبات الفحص، عن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السودان خلال سنوات الحرب، إذ تحوّل وصوله عبر مطار بورتسودان إلى بلاغ أمني ثقيل انتهى بإدانته تحت مواد تتعلق بالإرهاب وتأييد التمرد، قبل أن تُخفَّض العقوبة لاحقاً من عشر سنوات إلى خمس سنوات.
القضية لا تبدو مجرد ملف جنائي عادي، بل تحمل أبعاداً سياسية واجتماعية وقبلية وأمنية معقدة، خصوصاً مع الروايات المتضاربة حول خلفية الاعتقال، وطبيعة الأدلة، والضغوط التي صاحبت التحقيق والمحاكمة.

لحظة الوصول.. خمس عربات ومدججون بالسلاح
بحسب الرواية المتداولة وسط مقربين من الأسرة، فإن السلطات تلقت قبل وصول المتهم معلومات مسبقة شملت جواز سفره وموعد رحلته، ما أدى إلى تجهيز قوة كبيرة لاستقباله في المطار.
وتقول الرواية إن المشهد أوحى وكأن الأجهزة كانت تنتظر “قائداً ميدانياً خطيراً”، لا مدنياً عاد من الخارج، وهو ما أضفى على القضية منذ بدايتها طابعاً أمنياً استثنائياً.
هذا الاستنفار المبكر فتح باب التساؤلات: هل كان هناك قرار مسبق باعتقاله؟ وهل بُني الملف قبل وصوله أم بعده؟
سبع تهم صادمة.. وسخرية في القاعة
تداولت الأسرة ومقربون قائمة من الاتهامات التي وُصفت بأنها بدت صادمة وغريبة، من بينها:
أنه قائد معركة العيلفون.
أنه هرب مسيّرات عبر مطار الرياض.
أنه جنّد خمسة آلاف مقاتل.
أنه استلم أكثر من 600 ألف دولار.
صورة قديمة مع شبان يرتدون الكدمول.
قدومه إلى السودان وقت مغادرة الناس.
الاشتباه بقرابة أسرية مع قيادات نافذة.
وبحسب هذه الروايات، فإن عدداً من هذه الاتهامات تهاوى أثناء المحاكمة أو لم يجد ما يسنده بصورة حاسمة، الأمر الذي زاد الجدل حول طبيعة الملف.
المحكمة قالت كلمتها.. الأدلة في الهاتف

رغم الضجيج المحيط بالتهم المتداولة، فإن حيثيات محكمة الاستئناف أوضحت أن جوهر الإدانة لم يقم على تلك المزاعم، بل على ما اعتبرته المحكمة أدلة رقمية واعترافاً قضائياً.
فقد ذكرت المحكمة أن هاتف المتهم احتوى على:
منشورات في فيسبوك.
رسائل واتساب.
محادثات ماسنجر.
مواد اعتُبرت دالة على تأييد قوات الدعم السريع.
كما اعتبرت المحكمة أن المتهم أقر قضائياً بأنه “داعم للدعم السريع”، ووصفت ذلك بأنه دليل كافٍ بذاته.
هنا انتقلت القضية من مساحة الروايات العامة إلى نقطة قانونية محددة: هل كانت الأدلة الرقمية سليمة؟ وهل الاعتراف صدر طوعاً؟
الدفاع يرد: الهاتف مهكّر والاعتراف منتزع
في طلب الفحص المقدم لمحكمة الاستئناف، تمسك الدفاع بأن الهاتف تعرض لعبث أو تهكير، وأن محتواه بحاجة إلى فحص جنائي مستقل يوضح ما إذا كانت مواد أُدخلت أو أزيلت من الحسابات الخاصة بالمتهم.
كما أشار الطلب إلى أن المحكمة استجابت أولاً لطلب مخاطبة الأدلة الجنائية، ثم أغلقت قضية الدفاع لاحقاً قبل اكتمال هذا المسار، ما اعتبره المحامي حرماناً للمتهم من وسيلة دفاع جوهرية.
الأخطر من ذلك أن الطلب ذكر تعرض المتهم للضرب، ورشه بالماء البارد، ومنعه من النوم، وأن أقواله أُخذت في تلك الظروف، وهي مزاعم لو ثبتت لتضع الاعتراف برمته تحت سؤال قانوني كبير.
الأخوات المكسورات.. شهادة إنسانية داخل القاعة
من أكثر مشاهد القضية تأثيراً، وفق الروايات، حضور شقيقتي المتهم إلى المحكمة وهما مصابتان بكسور، لتأكيد أن سبب قدومه إلى السودان كان مرافقتَهما للعلاج بعد حادث مروري.
وطبقاً لما ورد في طلب الفحص، فقد قُدمت مستندات علاجية وأشعة ووصفات طبية تؤيد ذلك.
هذه الشهادة كانت تهدف إلى نسف فرضية أن المتهم دخل السودان لأغراض عسكرية أو تنظيمية، وإثبات أن الدافع إنساني وأسري.

لكن المحكمة لم ترَ في ذلك ما يكفي لإسقاط الأدلة الأخرى.
“الكدمول” يدخل المحكمة
من النقاط التي أثارت سخرية واسعة أن صورة للمتهم بلباس “الكدمول” اعتُبرت ضمن القرائن.
الدفاع رد بأن الكدمول لباس تقليدي معروف في السودان وغرب أفريقيا، ولا يمكن تجريم شخص بسببه، بل أشار إلى جذور ثقافية وتاريخية للزي.
وبالفعل، تضمن طلب الفحص فقرة مطولة تقول إن لبس الكدمول ليس جريمة ولا يمكن اعتباره دليلاً بذاته على الانتماء العسكري.
هذه الجزئية عكست حجم التوتر بين الرموز الثقافية وتفسيراتها الأمنية زمن الحرب.
الاستئناف: تأييد الإدانة وتخفيف العقوبة
في يونيو 2025، أصدرت محكمة الاستئناف قرارها النهائي:
1. تأييد الإدانة.
2. تخفيض السجن من عشر سنوات إلى خمس سنوات اعتباراً من تاريخ القبض.

تأييد بقية الأوامر، ومنها مصادرة الهاتف.
ورأت المحكمة أن عنصر “التأييد” الوارد في القانون لا يحتاج لتعريف ضيق، ويمكن أن يشمل أفعالاً وأقوالاً ورسائل ومنشورات تعبّر عن المناصرة.
كما شددت على أن الرجوع عن الإقرار لا يسقط أثره في الجرائم التعزيرية.
بهذا، أُغلق الباب القضائي في هذه المرحلة على تثبيت أصل الإدانة.
ما وراء القضية.. خوف القبيلة وخوف السياسة
الروايات المحيطة بالقضية تكشف أيضاً جانباً اجتماعياً حساساً، إذ تحدث مقربون عن امتناع بعض الأقارب عن الحضور للشهادة خوفاً من خسارة مواقعهم أو مصالحهم أو الاصطدام بالأجهزة.
هذا النوع من القضايا في بيئات الحرب لا يبقى داخل المحكمة فقط، بل يمتد إلى العلاقات الأسرية والقبلية والمناطقية، حيث تصبح الشهادة موقفاً سياسياً لا مجرد قول للحقيقة.
وهنا تتحول العدالة من مسألة قانون إلى اختبار شجاعة اجتماعية.
سؤال السودان الكبير
قضية محمد حافظ آدم ربيعة أكبر من اسم فرد، لأنها تطرح سؤالاً مركزياً في زمن النزاعات:
أين ينتهي الحق في الرأي والكلام والتواصل الاجتماعي، وأين تبدأ جريمة التأييد والتحريض؟
هل الرسائل الخاصة والمحادثات العابرة تكفي لبناء إدانة ثقيلة؟
هل الاعترافات في بيئات الاحتجاز موثوقة دائماً؟
هل يمكن للعدالة أن تعمل مستقلة في أجواء الحرب والاستقطاب؟
هذه الأسئلة لا تخص هذا الملف وحده، بل تخص مئات القضايا المشابهة التي قد تظهر أو تكون مخفية.





حسبنا الله ونعم الوكيل