
د. دقاش حسب الله دقاش
رؤية تحليلية
السودان منذ استقلاله يعيش أزمة تعريف عميقة تختزل في سؤال جوهري واحد: هل نحن دولة قبائل تجمعها الجغرافيا وتفرق بينها الولاءات الضيقة، أم أننا دولة مواطنين يجمعهم القانون ويتساوون في الحقوق والواجبات؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً يتداوله النخب في الندوات، بل هو سؤال الحرب والسلام، وسؤال التنمية والانهيار، وسؤال البقاء والفناء. ففي بلد يتجاوز عدد قبائله الخمسمائة وتتعدد فيه اللغات والأديان والأعراق، لا يوجد ضامن حقيقي للوحدة والاستقرار سوى مبدأ واحد صارم وواضح هو مبدأ المواطنة المتساوية. لكن بين هذا المبدأ وبين الواقع المعيش مسافة شاسعة تقاس بدماء الحروب الأهلية التي لم تتوقف، وبدموع الأمهات الثكالى، وبخراب المدن والقرى التي كانت عامرة. فما هي المواطنة المتساوية في جوهرها؟ ولماذا فشلنا كسودانيين في تحويلها من نص دستوري إلى واقع معيش؟ وما هي العقبات البنيوية التي تجعلها حتى اللحظة حلماً بعيد المنال؟
المواطنة المتساوية في أبسط تعريف لها هي العقد الاجتماعي الذي يقول إن كل من يحمل جنسية هذه الدولة له ذات الحقوق وعليه ذات الواجبات، بغض النظر عن قبيلته أو دينه أو لونه أو لغته أو منطقته الجغرافية أو وضعه الاجتماعي والاقتصادي. وهي تعني باختصار أن القانون أعمى لا يرى إلا مواطناً له حقوق يجب أن تصان وعليه التزامات يجب أن يؤديها. القانون لا يرى ابن القبيلة الفلانية ولا يرى القادم من الجهة الفلانية، بل يرى فقط فعلاً مخالفاً يستوجب العقاب أو حقاً مسلوباً يستوجب الرد والإنصاف. ولهذا المبدأ أركان خمسة لا يقوم ولا ينهض المجتمع إلا بتحققها:
الركن الأول: المساواة أمام القانون، وذلك يعني أن الغني والفقير والوزير والغفير وابن الناظر وابن الراعي يقفون أمام القاضي سواء بسواء، ويحاكمون بمواد القانون نفسه وتتنزل عليهم ذات العقوبة في حال ارتكبوا نفس الجريمة. فلا حصانة لأحد ، ولا أحد فوق القانون مهما علا شأنه أو كثر أهله وسلاحه.
الركن الثاني: تكافؤ الفرص، ويعني أن الوظيفة العامة والمنحة الدراسية والعلاج في المستشفى الحكومي والفوز بالعطاءات والمشاريع الحكومية يجب أن توزع كلها بناء على معياري الكفاءة والاستحقاق فقط، وليس بناء على الواسطة القبلية أو المحاصصة الجهوية أو الانتماء السياسي. فمعيار القبول في كلية الطب يجب أن يكون الدرجات التي أحرزها الطالب وليس اسم قبيلته، ومعيار الفوز بعقد بناء طريق يجب أن يكون جودة العرض وسعره، وليس توصية من عم أو خال أو ضابط أو وزير أو شيخ.
الركن الثالث: الحقوق السياسية المتساوية، ويعني أن صوت المواطن البدوي في صحراء بيوضة يساوي تماماً صوت رجل الأعمال في قلب الخرطوم، وأن حق الترشح والانتخاب مكفول للجميع دون أن يُسأل أحد عن جهته، بل يُسأل عن برنامجه ورؤيته لخدمة الناس.
الركن الرابع: العدالة في توزيع الخدمات، ويعني أن الدولة ملزمة بأن توفر المدرسة والمستشفى والطريق والماء والكهرباء لكل مواطنيها بعدالة. فالمدرسة في الخرطوم يجب أن تكون بذات جودة المدرسة في نيالا، والدبة والدندر وحلفا وصليعة والمستشفى في بورتسودان يجب أن يقدم نفس مستوى الخدمة التي يقدمها المستشفى في الجنينة، وكسلا لأن الدولة تخدم المواطن بناء على رقمه الوطني وليس بناء على قوة قبيلته أو ثقلها السياسي.
الركن الخامس: الكرامة الإنسانية غير المشروطة، ويعني أن الدولة تحترم وتحمي كل فرد فيها لأنه إنسان أولاً ومواطن ثانياً، حتى لو كان من أقلية عددية صغيرة أو يتحدث لغة لا يتحدثها إلا المئات أو يعتنق ديناً لا يعتنقه إلا القليل. فكرامة الإنسان مستمدة من كونه إنساناً ومواطناً، وليست من قبيلته أو عشيرته.
المأساة السودانية الكبرى أننا ندير دولة بمنطقين متناقضين تماماً يعملان معاً في ذات الوقت وعلى ذات الأرض. المنطق الأول هو منطق الدولة الحديثة الذي يقول به الدستور والقانون، فالدستور ينص على أننا متساوون، والشرطة ترفع شعار أنها في خدمة الشعب، والقاضي يعلن أنه يحكم باسم الشعب. لكن المنطق الثاني هو منطق القبيلة التاريخي الذي يقول به الواقع المعيش، يقول إن دم ولدنا غالي ولا يمكن أن يذهب هدراً، إن الحق يؤخذ بالقوة والسلاح، والواقع يقول إن شيخ القبيلة هو الذي يعالج المشاكل وهو الذي يحمي الأفراد. هذان المنطقان لا يمكن أن يلتقيا أبداً، وعند كل نقطة احتكاك بينهما ينتصر منطق القبيلة بلا منازع، لأنه يمتلك أدوات أقوى وأسرع: فالسلاح حاضر، والولاء القبلي متجذر في النفوس، والعقاب القبلي فوري وسريع، بينما أدوات الدولة بطيئة ومترهلة ومرتشية.
ولنأخذ مشهداً بسيطاً يتكرر كل يوم في أسواق السودان: شجار بين شابين في السوق، أحدهما من شمال السودان والآخر من غربه. في دولة المواطنة المتساوية يأتي المنطق بسيطاً وواضحاً: تحضر دورية الشرطة وتقبض على المتشاجرين وتفتح محضراً بالواقعة، ثم تحيل الأمر إلى النيابة التي تحقق وتحيل من يثبت تورطه إلى المحكمة التي تحكم على المخطئ، وينتهي الأمر. لكن في دولة القبيلة التي نعيشها يسير المشهد بطريقة مختلفة تماماً: تبدأ بمكالمة تلفون واحدة، وبعد نصف ساعة تحضر عشرون عربة لاندكروزر محملة بالرجال المسلحين من أهل هذا، وثلاثون عربة من أهل ذاك، ويتحول الشجار الفردي إلى معركة تحرق فيها المتاجر وتزهق فيها الأرواح، ثم ينتهي الأمر بمؤتمر صلح تقليدي تدفع فيه الدولة نفسها دية القتلى من مال الشعب، ويفلت الجناة الحقيقيون من العقاب.
لماذا تفشل المواطنة المتساوية في السودان؟ الإجابة هنا لا تكمن في قلة الوعي لدى الناس فقط، بل في بنية مادية وسياسية وأمنية متجذرة يمكن اختزالها في مثلث عقبات قاتل يخنق أي محاولة لبناء دولة القانون. الضلع الأول في هذا المثلث هو غياب احتكار الدولة للعنف، وهذا هو أصل كل البلاء. فالعالم ماكس فيبر عرف الدولة تعريفاً دقيقاً بأنها الكيان السياسي الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم معين. لكن في السودان الدولة لا تحتكر العنف، بل تنافسها على هذا الحق عشرات الكيانات المسلحة: من قبائل مسلحة، إلى مجموعات ذات نفوذ، إلى حركات مسلحة تسيطر على مناطق واسعة. والنتيجة الكارثية لهذا الوضع هي أن الشرطي يخاف أن ينفذ أمر القبض على متهم ينتمي لقبيلة قوية لأن قسم الشرطة قد يحرق في اليوم التالي، والقاضي يخاف أن ينطق بحكم الإعدام على مجرم محمي بقبيلته لأن أهله قد يتربصون به، والمواطن العادي يعرف يقيناً أن القانون مجرد حبر على ورق، وأن الحماية الحقيقية لا تأتي من الدولة بل تأتي من القبيلة والعشيرة. وطالما أن هناك بندقية كلاشنكوف واحدة خارج مخازن أجهزة الدولة سيبقى ابن القبيلة فوق ابن القانون، ولن تكون هناك مساواة أبداً مع فوهة البندقية.
الضلع الثاني في مثلث العقبات هو عدالة مكسورة الجناح، ضعيفة ومهترئة. وليكن الحديث هنا صريحا فالمواطن السوداني كفر بالدولة وبقانونها لأنه جربها وتذوق مرها. لقد جرب محاكم تستغرق عشر سنوات كاملة لتصدر حكماً في نزاع بسيط على قطعة أرض، وجرب نيابة يمكن أن تحفظ البلاغ الجنائي بمجرد مكالمة تلفون من شخص نافذ، وجرب شرطة تطلب منه “حق البنزين” و”حق الفطور” حتى تتحرك للقبض على لص. هذه التجارب المريرة خلقت معادلة نفسية راسخة في عقل المواطن البسيط تقول: إن القبيلة قد تكون ظالمة في بعض أحكامها، لكنها تحسم مشكلتي في أسبوع واحد، بينما الدولة قد تكون عادلة نظرياً، لكنها ستجرني في المحاكم عشر سنين وقد لا أحصل على حقي في النهاية. فاختار المنطق البسيط: أن الحسم الظالم السريع أقرب إليه من العدل المؤجل البعيد. وهكذا تحولت القبيلة في وجدان الناس إلى “وزارة العدل الشعبية” السريعة الناجزة، وتحولت الدولة إلى كيان بيروقراطي بطيء ومرتشي.
الضلع الثالث، وهو الأخطر، هو نخبة سياسية وعسكرية ومثقفة تتغذى على القبلية وتستثمر فيها. وهذه هي الخيانة الكبرى للمشروع الوطني. فكان الأجدر بهذه النخبة أن يكون لها القدح المعلى في تفكيك البنى القبلية لصالح بناء مشروع وطني جامع يمثل كل الشعب السوداني، لكنها فعلت العكس تماماً. حيث اكتشفت هذه النخبة أن “كرت القبيلة” هو أرخص وأسرع وأسهل طريقة للوصول إلى السلطة والبقاء بها. فبدلاً من طرح البرامج الاقتصادية والتنموية المقنعة، عملت على طرح الأنساب، وبدلاً من بناء أحزاباً سياسية حديثة على أساس الفكرة والبرنامج، بنت تحالفات قبلية هشة ترتدي بدلة وربطة عنق. والنتيجة أن الدولة نفسها أصبحت تدار بعقلية الغنيمة القبلية: فالوزارة الفلانية من نصيب أولاد البحر، والولاية الفلانية من نصيب أولاد الغرب، والمنصب الفلاني محجوز لأولاد الشرق. وهكذا تحولت القبلية من مجرد مرض اجتماعي إلى سياسة دولة غير معلنة ولكنها مطبقة بحذافيرها.
إن كلفة غياب المواطنة المتساوية فادحة، ودفعناها جميعاً من دمائنا وأمننا ومستقبلنا. أولاً خسرنا الأرواح، فكل الحروب التي اندلعت في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان هي في جوهرها حروب غياب الدولة العادلة. فعندما لا يجد المواطن قانوناً عادلاً يحميه ويرد له حقه، يلجأ إلى السلاح لحماية النفس وأخذ الحقوق. ثانياً خسرنا وحدة الوطن، فانفصال جنوب السودان لم يكن إلا النتيجة المنطقية لشعور أهله أنهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية. واليوم كل أطراف السودان فيها من يفكر بذات المنطق الانفصالي بسبب شعوره بالتهميش والظلم. ثالثاً خسرنا التنمية والاقتصاد المستدام، فالمستثمر الأجنبي والمحلي لا يمكن أن يضع أمواله في بلد يمكن أن تأتي قبيلة وتحرق مشروعه بالكامل لأن الأرض التي شُيّد عليها المشروع تعتبرها القبيلة ملكاً لها. فالرأسمال جبان بطبعه، وهو يبحث عن دولة القانون التي تحمي الاستثمار لا عن دولة الجودية والقلد. رابعاً خسرنا الإنسان السوداني نفسه، فخلقنا نموذجين مشوهين من المواطنين: خلقنا مواطناً خائفاً ضعيفاً يتوارى دائماً خلف قبيلته ويطلب حمايتها، وخلقنا في المقابل مواطناً متغطرساً متجبراً يحتمي بقوة قبيلته ويظلم الآخرين. لكننا فشلنا في خلق النموذج الثالث الصحيح: وهو المواطن الحر الواثق الذي يحتمي بدستوره وقانونه ودولته.
إن الخروج من نفق القبلية المظلم إلى فضاء المواطنة الرحب يحتاج إلى ما يشبه الجراحة الكبرى المؤلمة، وليس إلى مسكنات الألم الوقتية. وهذه الجراحة يتحتم أن تقوم بها دولة قوية وعادلة وشجاعة وفق أولويات واضحة ومحددة.
الأولوية الأولى والأساسية التي لا يمكن البدء بغيرها هي نزع السلاح وجمعه من يد كل شخص خارج إطار القانون، ومن يد كل قبيلة وكل حركة. فلا يمكن الحديث عن مواطنة أو قانون أو مساواة وهناك كلاشنكوف واحد خارج سيطرة الدولة. فهيبة الدولة تبدأ من فوهة بندقيتها هي وحدها، وهذه ليست معركة سياسية قابلة للتفاوض، بل هي معركة وجود للدولة ذاتها.
الأولوية الثانية هي إحداث ثورة حقيقية في منظومة العدالة. فلا بد من بناء مؤسسات قومية إحترافية ومتدربة من الجيش والشرطة وجهاز الأمن لا تتلقى تعليماتها عبر الهاتف أو الوصايا من النافذين، ولا بد من إنشاء جهاز قضاء شجاع ونزيه مستقل استقلالاً كاملاً مالياً وإدارياً، تصل إليه ميزانية الدولة قبل أن تصل إلى القصر الرئاسي. يجب أن يرى المواطن بعينه الجاني الحقيقي وهو يدخل السجن خلال اثنتين وسبعين ساعة من ارتكاب الجريمة، لا أن يراه حراً طليقاً يتجول أمامه سبع سنوات ريثما تنتهي إجراءات التقاضي.
الأولوية الثالثة هي تجريم القبلية السياسية بقوانين رادعة. فيجب أن يصدر قانون للأحزاب يمنع منعاً باتاً أي خطاب قبلي أو جهوي، ويجب أن يصدر قانون للانتخابات يجرم استخدام دور العبادة والمسيد والبيوتات القبلية في الدعاية الانتخابية، ويجب أن يتضمن القانون الجنائي مادة واضحة تعتبر التدخل القبلي في سير العدالة جريمة أمن دولة عقوبتها السجن المشدد.
الأولوية الرابعة هي أن نجعل من التنمية سلاحاً لكسب ولاء المواطن للدولة. فعندما تفتح الدولة مدرسة ومستشفى وتوفر وظيفة في منطقة مهمشة، فإن ولاء أهل تلك المنطقة للدولة سيصبح أقوى من ولائهم لشيخ القبيلة، لأن الجوع والمرض والجهل هم الحلفاء التاريخيون للقبلية والتعصب.
الأولوية الخامسة والأخيرة هي بناء سردية وطنية جديدة جامعة تبدأ من الروضة وحتى الجامعة، وتمر عبر المسلسل التلفزيوني وخطبة الجمعة. يجب أن نزرع في عقل الطفل ووجدان الشاب أن انتماءه الأول والأخير للسودان، وأن فخره برقمه الوطني يجب أن يكون أكبر من فخره بشجرة نسبه القبلي.
إن السودان يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، وعلى حافة هاوية سحيقة. والاستمرار في نموذج الدولة الهجين التي تجمع بين منطق الدولة ومنطق القبيلة يعني المزيد من الحروب، و التفكك، و الضياع، فالخيارات أضحت واضحة ومحددة : فإما أن نرتقي جميعاً إلى مرتبة المواطن الكامل تحت سقف قانون واحد عادل وصارم يطبق على الجميع، وإما أن ننحدر جميعاً إلى درك أبناء القبائل المتناحرة في غابة كبيرة يحكمها قانون واحد فقط هو قانون القوة والغلبة.
إن المواطنة المتساوية ليست منحة يهبها حاكم لشعبه، وليست هدية يمكن أن نستوردها من الخارج. إنها قرار شعب شجاع يضع بندقيته جانباً ويكسر سيفه ويحتكم إلى قاضيه ومحكمته، وهي أيضاً قرار دولة قوية بأن تكون دولة لكل أبنائها بلا تمييز أو محاباة، وليست دولة لأبناء قبائلها المتنفذين. إن التاريخ لا يرحم المترددين، والشعوب في مسيرتها إما أن تبني دولاً حديثة قوية وعادلة، أو تتحول إلى قبائل متناحرة تروي لأحفادها قصص فنائها واندثارها. والخيار اليوم بيدنا نحن السودانيين ولا أحد سوانا.
ولكي ننتقل من تشخيص الداء إلى وصف الدواء، لا بد أن نغوص أكثر في جذور الأزمة ونفكك الآليات التي تعيد إنتاج القبلية كل يوم، حتى بعد سقوط الأنظمة وتغير الحكومات. فالقبيلة في السودان لم تعد مجرد انتماء اجتماعي موروث، بل تحولت إلى مؤسسة اقتصادية وسياسية وأمنية متكاملة لها مصالحها وشبكاتها، ولها قدرة هائلة على ملء الفراغ الذي تتركه الدولة كلما ضعفت أو غابت. ففي كثير من مناطق السودان تكون القبيلة هي التي توفر الأمن عبر شبابها المسلحين، وهي التي تفض النزاعات عبر مجلس الجودية، وهي التي تجمع المال للدية أو لعلاج المريض، وهي التي تزكي المرشح للبرلمان أو للوظيفة، وهي التي تتفاوض باسم أبنائها مع الشركات العاملة في التنقيب عن الذهب أو البترول. وبالتالي أصبحت الدولة في نظر المواطن هناك كياناً بعيداً بيروقراطياً لا يراه إلا عندما يأتي الجابي ليأخذ الضرائب، أو عندما يأتي الشرطي ليعتقل دون أن يقدم حماية حقيقية. وهذا الواقع خلق ما يمكن تسميته بـ”المواطنة التعاقدية” مع القبيلة بدل “المواطنة الدستورية” مع الدولة. فالمواطن يدفع للقبيلة ولاءه ويدفع أحياناً ماله، وتدفع له القبيلة الحماية والنصرة والجاه. وعندما يصطدم هذا العقد القبلي مع العقد الاجتماعي للدولة تكون الغلبة دائماً للعقد الأقرب والأسرع والأكثر فاعلية.
إن أخطر ما أنتجته هيمنة المنطق القبلي هو تشويه مفهوم العدالة نفسه. فتحولت العدالة من قيمة مطلقة تعني إعطاء كل ذي حق حقه، إلى عملية تفاوض ومساومة بين القبائل. فالقتل لم يعد جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي، بل أصبح خطأ يستوجب الدية والتعويض. والسرقة لم تعد انتهاكاً للقانون، بل أصبحت مشكلة تحلها الجودية بإرجاع جزء من المسروق. والاغتصاب لم تعد جريمة ضد الفرد والمجتمع، بل أصبحت عاراً على القبيلة يجب ستره بالزواج أو بالمال. وهكذا تم تفريغ القانون من مضمونه الردعي والأخلاقي، وتحول إلى مجرد ديكور تستخدمه الدولة عندما تكون الأطراف ضعيفة وتتجاهله عندما تكون الأطراف قوية. ولهذا السبب تحديداً تفشل كل مؤتمرات الصلح القبلي في تحقيق سلام مستدام، لأنها لا تؤسس للعدالة بل تؤسس للإفلات من العقاب. فهي تطلب من المظلوم أن يعفو ويصفح دون أن يرى المجرم خلف القضبان، وهي تطلب من القبائل أن تتصالح دون أن تفكك البنى التي أنتجت العنف أصلاً، وهي السلاح المنفلت والتهميش وغياب الدولة.
والسؤال المفصلي الذي يجب أن نواجهه بشجاعة هو: كيف نستبدل ولاء القبيلة بولاء الدولة؟ والإجابة لا تكمن في الخطب العصماء أو المواعظ الأخلاقية، بل تكمن في تغيير المعادلة المادية على الأرض. فالإنسان بطبعه كائن مصلحي يميل إلى الجهة التي توفر له الأمن والرزق والكرامة. فإذا استطاعت الدولة أن تكون هي الضامن الحقيقي لحياة الناس وأرزاقهم، فإن ولاءهم سينتقل إليها تلقائياً وبلا ضجيج. وهذا يتطلب أولاً إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة، فالدولة لا يجب أن تظهر للمواطن فقط كشرطي يعتقل أو كجابي يأخذ الضرائب، بل يجب أن تظهر كمدرسة تبني عقله، وكمستشفى تعالج جسده، وكمصنع يوفر له الوظيفة، وكطريق يربطه بالسوق، وكقاضٍ نزيه يعيد له حقه إذا ظُلم. ثانياً، يجب تفكيك الاقتصاد القبلي والسياسي الموازي الذي نشأ في ظل الحروب. فكثير من زعامات القبائل اليوم هم من يسيطرون على مناجم الذهب وعلى مسارات التهريب وعلى الأراضي الزراعية الخصبة، وهؤلاء لن يتخلوا عن سلاحهم ونفوذهم طواعية لأن في ذلك خسارة لإمبراطوريات مالية حقيقية. ولذلك فإن معركة بناء الدولة هي أيضاً معركة اقتصادية ضد أمراء الحرب. ثالثاً، لا بد من إصلاح جذري لمؤسسة الخدمة المدنية، فهي اليوم أكبر محضن للقبلية والجهوية. فالتوظيف يتم بالترضيات والولاءات وليس بالكفاءة والامتحانات التنافسية، إذ لايزال السؤال عن القبيلة أحد البيانات الواردة في كثير من الأوراق الرسمية للدولة، مما يتطلب إيقافه على نحو فوري وتجريم فعله بالقانون . فلا يسأل المواطن إلا عن كفاءته وجدارته وقدرته. رابعاً، إن الإعلام والتعليم هما سلاحا المعركة الطويلة. فالمناهج الدراسية يجب أن يعاد تصميمها بالكامل لتغرس قيم المواطنة والتسامح وقبول الآخر بدلاً من تمجيد البطولات القبلية. والدراما التلفزيونية يجب أن تتوقف عن تكريس الصورة النمطية للقبائل، وأن تقدم نماذج لمواطنين سودانيين نجحوا بكفاءتهم لا بنسبهم. والمسجد والكنيسة يجب أن يكونا منبراً للوحدة الوطنية ليس منبراً للعصبية.
إن تجارب الشعوب الأخرى تخبرنا أن الطريق ممكن ولو كان صعباً. فدولة رواندا خرجت من حرب أهلية قتل فيها مليون شخص بسبب الهوية القبلية بين الهوتو والتوتسي، لكنها اليوم من أكثر دول أفريقيا استقراراً وأسرعها نمواً، لأنها اتخذت قراراً شجاعاً بتجريم خطاب الكراهية القبلي، ومنع ذكر القبيلة في الأوراق الرسمية، وبناء عدالة انتقالية يتم عبرها محاسبة المجرمين وإعادة دمج المجتمع. فدولة سنغافورة التي تتكون من صينيين وملايو وهنود نجحت في بناء هوية وطنية جامعة بتطبيقها القانون على الجميع بصرامة، وتوزيع الفرص والخدمات بعدالة، ولم تسمح لأي مجموعة أن تبتز الدولة باسم العرق أو الدين. هذه التجارب لا تعني أن الأمر سهل، لكنها تؤكد أن الأمر ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية والشجاعة الأخلاقية.
ختاماً، إن معركة المواطنة المتساوية في السودان هي معركة كل سوداني يحلم بوطن آمن لأطفاله. وهي ليست معركة ضد القبيلة ككيان اجتماعي وثقافي، فالقبيلة يمكن أن تبقى كرافد ثقافي يثري التنوع السوداني في الزي والغناء والتراث. ولكن يجب أن تنتهي ككيان سياسي وأمني واقتصادي ينافس الدولة ويقوض القانون. إننا لا ندعو إلى إلغاء القبائل، فهذا مستحيل وغير مطلوب. ولكننا ندعو إلى وضعها في مكانها الطبيعي، وهو المتحف الاجتماعي والثقافي، لا قبة البرلمان ولا رئاسة الشرطة ولا منصة القضاء. إن اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم بعد كل هذه الحروب والدماء تفرض علينا أن نختار بوضوح: إما أن نبني دولة تكون فيها الجنسية السودانية هي بطاقة الشرف الوحيدة التي تمنحك الحقوق وتحميك من الظلم، وإما أن نستمر في دوامة الدولة الفاشلة التي تتآكل من أطرافها حتى تتلاشى. والشعوب الحية هي التي تتعلم من أخطائها وتقرر أن تكتب تاريخاً جديداً. والتاريخ الجديد للسودان لن يبدأ إلا عندما يقف السوداني أمام المرآة ويقول: أنا سوداني أولاً وأخيراً، والقانون فوقي وفوق الجميع وفوق كل كبير. وعندها فقط نكون قد وضعنا حجر الأساس للدولة التي مات من أجلها الشهداء وحلم بها الآباء ويستحقها الأبناء. فالمستقبل لا يصنعه المترددون، بل يصنعه الشجعان الذين يقررون كسر قيود الماضي لبناء وطن يتساوى فيه الجميع تحت راية العدالة والحرية والسلام.




