رأي

ديمقراطية البرهان بالعرديب والقهوة والملح : بين العفوية المصنوعة وواقع الحرب المرير

عماد جدو

 

عماد جدو

في مشهد يتكرر على نحو لافت، تصدّرت مقاطع فيديو متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى بعض القنوات الإخبارية، لقطات تظهر القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في مواقف وُصفت بـ”العفوية”؛ لكنها سرعان ما أثارت جدلاً واسعاً حول دلالاتها وتوقيتها، بل ومصداقيتها.

في أحد هذه المقاطع، يظهر البرهان داخل سيارة “بوكس” يتوقف له أحد المواطنين ليقدم له عصير “العرديب”، في مشهد بسيط ظاهرياً، لكنه محمّل برسائل سياسية واضحة. وفي مقطع آخر، يظهر داخل مقهى، يتقدم بطلب كوب قهوة أو “كابتشينو”، في محاولة لإظهار القرب من المواطنين والاندماج في تفاصيل حياتهم اليومية.

غير أن هذه المشاهد لم تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها تعبيراً طبيعياً عن تواضع القيادة أو عفويتها، بل اعتبرها كثيرون جزءاً من حملة دعائية تسعى لإعادة تشكيل صورة السلطة العسكرية في لحظة حرجة من تاريخ البلاد، حيث تستعر الحرب وتتفاقم الأزمات الإنسانية.

الجدل تصاعد أكثر بعد تصريحات للبرهان أشاد فيها بالأطباء السودانيين، مشيراً إلى ما وصفه بـ”وطنيتهم” من خلال تزويد الجيش بمعلومات عن تحركات قوات الدعم السريع. هذا التصريح فجّر موجة من الانتقادات، إذ رأى فيه كثيرون تعريضاً لحياة الأطباء للخطر، وتحويلاً لمهنة إنسانية محايدة إلى طرف في صراع عسكري، بما يقوّض الثقة ويهدد سلامة العاملين في القطاع الصحي.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهر البرهان في عرض مسرحي قُدم أمامه، حيث قام أحد الممثلين بربط ما وصفه بـ”المواقف العفوية” للبرهان بمفهوم الديمقراطية، معتبراً أن هذه التصرفات اليومية تجسد جوهرها. هذا الطرح، الذي بدا أقرب إلى الترويج السياسي منه إلى التحليل الموضوعي، قوبل بسخرية واسعة، خاصة في ظل غياب مؤسسات ديمقراطية حقيقية على الأرض.

أما المشهد الأكثر إثارة، فكان ظهور البرهان وهو يقود بنفسه سيارة تقل طلاباً في الشارع، ليتفاجأوا لاحقاً بهوية السائق. مشهد بدا أقرب إلى “التمثيل السياسي” منه إلى الواقعية، وأعاد إلى الأذهان أساليب دعائية تقليدية تحاول صناعة صورة “القائد القريب من الشعب”، دون معالجة جوهر الأزمة.

في المحصلة، تكشف هذه المقاطع عن فجوة عميقة بين الخطاب الدعائي والواقع المعاش. فبينما تُقدَّم هذه المشاهد كدليل على “ديمقراطية” أو “تواضع” القيادة، يرى كثير من السودانيين أنها لا تعدو كونها محاولات سطحية لصرف الانتباه عن القضايا الأساسية: وقف الحرب، حماية المدنيين، واستعادة المسار السياسي.

إن إنهاء النزاع لا يتحقق عبر لقطات عابرة أو مواقف مصنوعة، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومخاطبة صادقة لجذور الأزمة. وما لم تُستبدل هذه “البروباغندا الخفيفة” بخطوات جادة نحو السلام، ستظل هذه المشاهد مادة للسخرية أكثر منها مصدراً للإقناع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!