رأي

رؤية نحو بناء علاقات استراتيجية بين إسرائيل والسودان: الشراكة الأكاديمية

د.ناصر ساتي

 

د. ناصر ساتي

محور التطبيع الثقافي والأكاديمي

لا شك أن الثقافة جسر تواصل بين الشعوب، وهي محرك سلس لغرائز التعايش والمحبة بين الأمم. فبني البشر عموماً توجد بينهم مشتركات ثقافية قد تتفاوت، فتقل وتزداد وفق عوامل الجغرافيا والتاريخ واللغة، لكنها في كل الأحوال تزيل الأجواء السياسية المسمومة وتلطف العلاقات بين الشعوب، فتحفزها للعب دور مهم في دفع عملية السلام وإرساء دعائم التعايش.

لقد بنت كثير من الدول علاقات ثقافية مع دولة إسرائيل وطبعت ثقافياً، وعلى سبيل المثال يمكن استعراض بدايات التجربة المصرية هنا؛ إذ بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، تلقى كتاب إسرائيليون دعوة من مركز الأهرام لحضور ورشة عمل بحثية بين أكاديميين إسرائيليين ومصريين، ومن بين هؤلاء كان شمعون شامير الذي شارك في الورشة عام ١٩٧٩.

وكان أبرز من شارك في هذه الورشة البحثية أيضاً الدكتور جبرائيل كوهين، مؤسس معهد دراسة الصهيونية في جامعة تل أبيب، والدكتور أمنون روبنشتاين العميد السابق لكلية الحقوق بجامعة تل أبيب آنذاك، إضافة إلى جبرائيل فيربرج أستاذ تاريخ مصر والسودان في جامعة حيفا.

وبعد عام شارك وفد مصري في افتتاح مركز كابلان لدراسة تاريخ مصر وإسرائيل في جامعة تل أبيب، ثم أرسل الرئيس السادات وفداً مكوناً من مصطفى خليل، وبطرس بطرس غالي، وعلي عطية الباحث في الأدب العبري، بهدف تطبيع العلاقات الأكاديمية.

هناك دول كثيرة أيضاً بنت علاقات أكاديمية مع جامعات إسرائيلية واستفادت كثيراً في تطوير جامعاتها، ومنها المغرب التي استفادت على سبيل المثال في:

1- ربط الجامعات المغربية بشبكات بحث دولية.

2- نقل بعض الخبرات الإسرائيلية في التكنولوجيا الزراعية.

3- جذب استثمارات وشركات تقنية.

4- تحسين البحث التطبيقي.

5- تسريع مشاريع المياه والزراعة الذكية.

إذاً فإن بناء علاقات أكاديمية بين جامعات إسرائيلية وسودانية ليس بدعة، بل هو ضرورة علمية إذا أردنا دفع عجلة التكنولوجيا في وطننا، فإن ضربة البداية تنطلق من أن يعمل أكاديميون سودانيون وإسرائيليون معاً على بناء علاقات أكاديمية، والقيام بمشاريع بحثية للمستقبل للتأثير على العالم.

وهذا ممكن، سيما أن ثمة جامعات إسرائيلية تتصدر تصنيف الجامعات الأفضل في العالم بسبب البحوث التطبيقية في شتى مناحي الحياة الداخلية التي نقلت إسرائيل نقلة نوعية سريعة في مجالات مهمة، منها ما هو صناعي مدني سيما الطبي، ومنه ما هو تكنولوجي عسكري أو حربي.

فمطلوب توقيع اتفاقيات تبادل خبرات وتجارب، وفي مقدمتها المجال الطبي، إذ إن جامعات إسرائيل برعت في مجالات طبية حساسة مثل العلاج بالخلايا الجذعية، وهو مجال وفر أملاً للحياة للمرضى الذين يعانون من أمراض فتاكة مثل السرطان وأمراض أخرى مثل السكري.

فالتبادل هنا يمكن أن يشمل منح دراسة للطب، وقضاء فصول دراسية لطلابنا في جامعات إسرائيلية، والجامعات الإسرائيلية منفتحة على الشراكات والتعاون الأكاديمي.

أبرز مجالات الشراكة الأكاديمية المقترحة

١- الزراعة والتقنيات المائية

ويشمل ذلك التعاون بين باحثين ومؤسسات في مجالات الري بالتنقيط، وتحلية المياه، والزراعة في المناطق الجافة، وهي مجالات تمتلك فيها إسرائيل خبرة تقنية، بينما يستهدف السودان تطوير إنتاجه الزراعي والاستفادة القصوى من موارده في مجال المياه.

٢- الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا

ويشمل توقيع اتفاقيات بين جامعات ومراكز بحث لتبادل الخبرات في البرمجة، والأمن السيبراني، والابتكار الرقمي.

٣- الطب والبحث الصحي

يجب أن تدخل الجامعات والمستشفيات السودانية في مشاريع تبادل أكاديمي ومؤتمرات علمية مع مؤسسات إسرائيلية في مجالات الطب الحيوي والأجهزة الطبية.

 

٤- التبادل الطلابي والأكاديمي

يشمل برامج لزيارة الباحثين والأساتذة، إضافة إلى مؤتمرات مشتركة وورش تدريب. وهنا يجب على الأكاديميين القيام بمبادرات فردية للتواصل مع أكاديميين إسرائيليين وجامعات إسرائيلية، ولا يجب انتظار أن تقوم هذه الحكومة أو أي حكومة قادمة بخطوات أو إجراءات تطبيع، فالقيام بهذه المبادرات الفردية يشكل أساساً متيناً للتطبيع الشعبي، مما سيجبر أي حكومة على التعامل مع التطبيع كأمر واقع، إذ لا يمكن ارتهان المصالح العلمية للمزاج الأيديولوجي للدولة السودانية.

٥- الطاقة المتجددة

السودان يتمتع بأكبر مورد للطاقة الشمسية، ويمكن بالدخول في شراكات مع الجامعات الإسرائيلية تطوير هذا المجال وضمان طاقة كهربائية مستقرة ونظيفة وغير مكلفة. كما يجب الاهتمام بالطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر وإحداث نهضة فيهما بالتعاون مع خبرات إسرائيلية في إدارة الطاقة والتقنيات البيئية.

٦- علم التاريخ

يحتاج السودان إلى شراكة أكاديمية في مجال علم التاريخ لما لإسرائيل من أقسام متطورة في دراسة التاريخ، ولما لإسرائيل أيضاً من وثائق نادرة ومهمة عن تاريخ السودان.

٧- اللغات السودانية

تعتبر اللغات ثروة قومية، وهي ليست مجرد وسائل تواصل، بل تحمل في داخلها محتويات طبية وثقافية واجتماعية وفكرية ستساعد كثيراً في تقديم حلول لقضايا سودانية اجتماعية وثقافية.

وبما أن لإسرائيل وجامعاتها خبرة في مجال تطوير اللغة وإحيائها، فلا بد من خلق شراكات بين أقسام اللغويات في الجامعات السودانية والإسرائيلية.

٨- الإعلام

للإعلام دور في الوعي، فهو السلطة الرابعة، ولما لإسرائيل من خبرة معرفية وعملية ومؤسسات إعلامية مؤثرة، فيجب الدخول في شراكات بين الجامعات الإسرائيلية والسودانية من جانب، وبين الأفراد الإعلاميين في البلدين من أجل تبادل المعارف والخبرات وتطوير الذات.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!