(مغتربون في وطنهم) هندسة التآكل.. مركز الدولة السودانية من جينات “السلطنة” إلى “أفندية 56”
مليح يعقوب حماد

مليح يعقوب حماد
باحث في إدارة التنوع والسياسات الريفية
لقد نشأ مركز السودان الحديث في العام 1821م على أنقاض المركز القديم عبر اتحادٍ قهري وإجباري لمجموعة الدويلات والممالك والمشيخات التي أعقبت تآكل الحضارات الكوشية والنوبية؛ لتولد تلك الدويلات حاملةً في أحشائها فيروسات انهيارها المتمثلة في المركزية القابضة والذهنية الإقصائية. تحولت لجزرٍ معزولة، مقسومةٍ في داخلها إلى مركزٍ وهامش، وتابعٍ ومتبوع، تربطها روابط واهية. تشكّل منها السودان الحالي “بفعل فاعل” خارجي نجح في تجميع أنقاضها التى كانت تعيش تآكلاً ذاتياً مزمناً.
1. تركيبة الممالك قبل 1821: “السيادة المجزأة” وجينات المركزية الكامنة
كان السودان (قبل الأتراك) عبارة عن “فسيفساء سيادية” قلقة؛ ممالك وسلطنات (الفونج، الفور، تقلي، المسبعات) ومشيخات (العبدلاب، والجعليين، والشايقية.. إلخ). ورغم أصالتها الثقافية، إلا أن تركيبتها كانت تحمل بذور فنائها المتمثلة في “المركزية الأولية”؛ حيث استندت الشرعية الروحية والعشائرية على تقديس ذات السلطان أو الشيخ بوصفه “مركزاً للكون”، مما جعل مفهوم السلطة يرتبط بالولاء الشخصي أكثر من ارتباطه بالمؤسسة الوطنية.
عوامل الانهيار وعقدة الاستعلاء: عانت تلك الدويلات من “جدلية الانشطار الذاتي”، والأهم من ذلك أنها مارست نوعاً من “المركزية البدائية” تجاه هوامشها؛ فكانت هناك “دار السلطنة” كمركز سيادي، وما سواها “أرض موارد”. هذا الإرث المتوارث من التراتبية الطبقية والاجتماعية هو الذي شكل “الجين الوراثي” للاستعلاء الذي ورثه المركز الحديث لاحقاً. فالتآكل المستمر هو ما أنتج ضعفاً عسكرياً وعجزاً فكرياً عن ابتكار “عقد اجتماعي” يتجاوز حصر الامتيازات في الأسرة الحاكمة؛ لذلك أصبحت هذه الممالك هشّة بنيوياً أمام فاعلٍ خارجي يمتلك أدوات قهرٍ أكثر تنظيماً.
2. التدخل التركي: “المركزية القسرية” وابتكار المركز المخبري
دخل الأتراك السودان لغرض “الصهر القسري” لهذه الدويلات المعزولة في هيكلٍ إداري واحد لخدمة أهداف الإمبراطورية العثمانية في الجباية.
المركز المخبري: نشأت الخرطوم كـ “مختبر إداري” وعسكري للسيطرة، مما كرس فكرة “المدينة القلعة” التي تحكم وتدير جغرافيا شاسعة بعقلية “الغريب المحتل”.
تحطيم السيادات المحلية: قام الأتراك بكسر “هيبة” الممالك القديمة وتحويل زعمائها إلى جباة ضرائب، مما خلق أول شرخٍ في علاقة المواطن بالسلطة؛ فأصبحت السلطة “آلة غرباء” تقتات على الرجال والذهب بوهج السلاح.
3. “المركزية كجسم غريب”: حين تضخّم الرأس وذبل الجسد
لقد فشل السودان الحالي في أن يتحول إلى جسدٍ حيوي ينمو ويتطور بشكل طبيعي؛ لأنه كان نتاج “تجميع ميكانيكي” لأشلاء كيانات كانت في حالة انشطار متتالٍ؛ لذا جاء المركز الحديث ليمثل “رأساً ضخماً” زُرع قسراً فوق جسدٍ لم يختره. هذا الرأس (المركز) يعيش حالة من “التورم الإداري” والمعرفي، يستهلك طاقة الجسد كله (الأطراف) ليغذي رفاهيته وبقاءه، بينما تظل بقية الأعضاء في حالة ضُمورٍ دائم.
عجز هذا المركز من أن يمد عروقه وجهازه العصبي ليفهم احتياجات الأطراف أو يمتص حكمتها (كقوانين المنجل في الفونج أو الحواكير في دارفور)، واكتفى باستخدام “القوة العارية” كصدمات كهربائية لإبقاء الجسد المفتت تحت السيطرة. كما فشلت “دولة 56” في تحويل هذا التجميع القسري إلى “انصهار عضوي”؛ لأنها أبقت على المركز كـ “جهاز تنفس اصطناعي” لا يسمح للأطراف بالحياة المستقلة، ولا يمنحها حق المساهمة في اتخاذ القرار، مما كرس حالة “الاغتراب المعرفي” التي دفعت السوداني إلى أن يعيش في وطنه جغرافياً، بينما هو “منفيٌّ” منه إجرائياً وفكرياً.
4. فك الارتباط: المركز كـ “عقلية إقصائية” أكثر من كونه “حيزاً جيو-سياسياً”
من الضروري بمكان أن نفرّق بدقة بين “المركز كجغرافيا” (الخرطوم كمدينة) وبين “المركز كعقلية” (السيستم الإقصائي). إن معضلة الدولة السودانية لا تكمن في اختيار “العاصمة” كمكان، إنما تكمن في “عقلية المركز” التي تحولت إلى عقيدة سلطوية ترى في الأطراف مجرد “هوامش خدمية”. هذه العقلية هي “فيروس سياسي” عابر للمكان؛ وهي منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها في أي بقعة جغرافية أخرى من دون أن ترتبط بالخرطوم، إذا لم يتم تفكيك جيناتها المعرفية. لقد تحول المركز الذهني إلى سياجٍ معرفي يحصر الذكاء الوطني في دائرة ضيقة، ويصِمُ ما دونها بالبدائية. يبدأ التحرر الحقيقي من فك الارتباط بين “السيادة” و”المركزية”، وتحويل الدولة من “رأسٍ متضخم” يسحق جسده، إلى “جهاز عصبي” متزن يمنح كل طرفٍ حقه في صياغة الهوية الوطنية.
5. نكبة 56: تأميم “التهميش” وصناعة الأفندي
جاء الاستعمار البريطاني ليقوم بـ “تحديث التآكل” عبر صناعة طبقة “الأفندية”. تم تصميم التعليم في “كلية غوردون” لينتج موظفاً منتماً وجدانياً لثقافة المركز، وحاملاً في جيناته “الاحتقار الضمني” لكل ما هو ريفي أو قبلي. وحين جاء استقلال 1956، فشل في تغيير “جوهر الدولة” وعوضا عن ذلك لجأ الى “تأميم التهميش”؛ إذ تسلمت النخبة السلطة وكرست “مركزية الخرطوم” كمنصة وحيدة للقرار والثروة والجمال، وصار التاريخ يُكتب من وجهة نظر “الفاتحين في الخرطوم”، بينما يظل “المغترب في وطنه” يشعر بأن عقل الدولة يفكر “نيابة عنه” أو “ضده”.
6. خاتمة: كسر حلقة التآكل.. نحو “اللامركزية المعرفية” وسيادة الأطراف
يعيش مركز الدولة السودانية الراهن مرحلة “التآكل الذاتي” النهائي؛ لأنه استنفد كل طاقته الحيوية في ممارسة الإقصاء، حتى استحال هيكلاً بيروقراطياً بلا روح ،فالخروج من هذا المأزق التاريخي ينبغي أن يمر عبر “هدم المركزية الذهنية” وتفكيك احتكارها للحقيقة والجمال والقرار.
يبدأ الحل الإجرائي بتدشين “السودانوية الشاملة” التي تقوم على ثلاث ركائز:
اللامركزية المعرفية: استعادة الاعتبار للنظم المحلية (كالإدارة الأهلية المتطورة والأعراف الريفية) ودمجها في صلب “العقل القانوني” للدولة، بدلاً من اعتبارها فلكلوراً هامشياً.
توطين التنمية والقرار: تحويل الأطراف التي كان يتم استغلالها كـ “خزانات موارد” للمركز إلى “مراكز سيادة” تمتلك ناصية قرارها الاقتصادي والسياسي، مع العمل على تحويل التجميع الميكانيكي القسري إلى انصهار عضوي اختياري.
إعادة صياغة العقد الاجتماعي: الانتقال لدولة “الجهاز العصبي المتزن”، كبديل لدولة “الراس المتضخّم” ليرى “المغترب في وطنه” مرآة تعكس تنوعه وتطلعاته بدلاً من أن ينظر إليه كخصم يُجهض طموحاته.
إن سيادة الأطراف تمثل مصدر قوة للدولة وثباتها، وهي المصل الوحيد ضد الانهيار الشامل؛ فهي تمثل استرداداً للعقل السوداني المغيب خلف جدران المركزية المتآكلة، وضمانة التحول إلى “وطن الإنسان” الذي يشعر فيه الجميع بأنهم أسيادٌ في مركزهم الخاص، وليسوا رعايا في هامش الآخرين.




