
د. اخلاص قرنق
لم يعد السؤال في السودان: من يحكم؟
بل أصبح السؤال الأخطر: كيف أُهدرت دولة كاملة بكل هذا القدر من العبث والفساد والمحسوبية حتى وصلت إلى حافة الانهيار؟
ثلاثون عاماً وأكثر، عاش السودان تحت قبضة نظام الإخوان الفاسد؛ نظامٌ لم يبنِ دولة، بل بنى شبكة مصالح ضخمة التهمت الوطن قطعةً قطعة.
رفعوا شعارات الدين، بينما كانت خزائن البلاد تُنهب في الظلام. تحدثوا عن المشروع الحضاري، فإذا بالمواطن السوداني يقف في صفوف الخبز والوقود والدواء، بينما تتضخم أرصدة المنتفعين في الخارج.
لقد تحولت مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات حزبية، وأصبح الولاء للتنظيم أهم من الكفاءة، والمحسوبية أعلى من القانون.
تم تدمير الخدمة المدنية، وتشريد أصحاب الخبرة، وتسليم مفاصل الاقتصاد لأشخاص لا علاقة لهم بالإدارة سوى انتمائهم السياسي.
السودان الذي يطفو على بحر من الذهب والمعادن النادرة، صار شعبه من أفقر شعوب المنطقة.
أين ذهبت مليارات الذهب؟
ومن الذي سمح بتهريب ثروات البلاد بينما المواطن يبحث عن لقمة العيش؟
إن الحديث عن فساد الشركة السودانية للموارد المعدنية ليس مجرد ملف إداري، بل قصة وطن تم نهبه أمام أعين الجميع.
ذهب السودان خرج عبر المطارات والمعابر والحدود، بينما المستشفيات بلا أجهزة، والمدارس بلا مقاعد، والطرق بلا صيانة.
كان الذهب السوداني يكفي لبناء دولة حديثة، لكنه تحول إلى لعنة بسبب الفساد والنهب المنظم.
أما السكة حديد، التي كانت يوماً شريان السودان النابض وفخر أفريقيا، فقد تحولت إلى شاهد قبر على زمن الخراب.
فساد الشركة السودانية للسكة حديد لم يدمر القطارات فقط، بل دمر اقتصاداً كاملاً.
خطوط كانت تربط المدن والناس والتجارة، تحولت إلى خردة بفعل الإهمال والسرقات والصفقات المشبوهة.
والبنوك؟
حدث ولا حرج.
بدلاً من أن تكون مؤسسات وطنية لدعم الاقتصاد، أصبحت أدوات لتمويل الفساد والتمكين.
قروض بالمليارات ذهبت للمحاسيب، بينما صغار المزارعين والتجار يُسحقون تحت الفقر والعجز.
اقتصاد أُدير بالعلاقات لا بالقوانين، فكانت النتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار وهروب الاستثمار.
ثم تأتي شركة “دادنا” وغيرها من الشركات التي أحاطتها الشبهات والصفقات الغامضة، لتكشف كيف تم تحويل اقتصاد السودان إلى مزرعة خاصة لمجموعة محددة من المنتفعين.
لا شفافية، لا محاسبة، لا وطنية… فقط جشع مفتوح على حساب شعبٍ أنهكته الحروب والجوع.
ومن أكثر الجرائم التي لا ينساها السودانيون: بيع خط هيثرو.
ذلك الأصل الوطني الذي كان يمثل رمزاً للسيادة والوجود السوداني في العالم، تم التفريط فيه كما تُباع ممتلكات الأفراد في سوق الخسارة.
باعوا الخطوط الجوية، والموانئ، والمشاريع الزراعية، وحتى أحلام الناس البسيطة.
لقد ترك الإخوان السودان دولة منهكة، ممزقة، غارقة في الديون والصراعات والانقسامات.
لكن رغم كل هذا الخراب، ما زالت الثورة حية.
الثورة ليست مجرد مظاهرات في الشوارع، بل وعيٌ جديد يرفض عودة الفساد بثوب جديد.
الثورة هي أن يعرف السودانيون أن وطنهم أكبر من الجماعات والتنظيمات والمصالح الضيقة.
هي معركة طويلة ضد الفساد والمحسوبية والاستبداد.
السودان اليوم يقف في مفترق طرق:
إما العودة إلى دولة التنظيم والتمكين والنهب،
أو السير نحو دولة مدنية حقيقية تقوم على العدالة والشفافية والمحاسبة.
ورغم الدم، والحرب، والانهيار…
فإن الشعوب التي تعي أسباب سقوطها، قادرة على النهوض من جديد
لأن الثورة التي كشفت اللصوص لن تموت




