سودان ما بعد 15 أبريل.. كيف تعيد “دولة 56” إنتاج الفشل عبر الاستقطاب القبلي والتمليش؟
أدهم الضهيب

أدهم الضهيب
منذ الاستقلال، ظلت الدولة المركزية في السودان أسيرة لبنية سياسية نخبوية ضيقة احتكرت السلطة والثروة، وأدارت البلاد بعقلية الإقصاء والتهميش، الأمر الذي قاد إلى سلسلة طويلة من الحروب والانقسامات والأزمات الوطنية. ولم تكن أزمة السودان، في جوهرها، مجرد خلاف سياسي عابر، بل أزمة بنيوية مرتبطة بطبيعة الدولة نفسها، وكيفية إدارتها للتنوع الاجتماعي والثقافي والجهوي داخل البلاد.
وعلى امتداد العقود الماضية، استخدمت النخب الحاكمة أدوات متعددة لترسيخ هيمنتها، كان أبرزها توظيف الانتماءات القبلية والجهوية في الصراع السياسي والعسكري، وتحويل الدولة إلى مساحة لإعادة إنتاج الامتيازات التاريخية لمجموعات بعينها، بينما تُدفع الأطراف والهامش دائماً ثمن الحرب والتهميش والحرمان.
ورغم ما خلفته الحروب من مآسٍ إنسانية هائلة، ورغم الحراك الشعبي الكبير الذي قادته ثورة ديسمبر، ثم الكارثة الوطنية التي فجّرتها حرب 15 أبريل، لا يبدو أن العقل السياسي التقليدي المسيطر على ما يُعرف بـ “دولة 56” قد استوعب دروس التاريخ أو أدرك خطورة الاستمرار في النهج القديم. فبدلاً من الاتجاه نحو مشروع وطني جديد يؤسس لدولة المواطنة والعدالة والسلام، ما تزال ذات القوى تلجأ إلى سياسة التجييش والاستقطاب وصناعة المليشيات تحت غطاء المؤسسة العسكرية، في محاولة مستمرة لحماية السلطة والمحافظة على النفوذ القديم.
إن ما يجري اليوم من تعبئة على أساس قبلي وجهوي، ومن توسيع لدوائر التسلح والتمليش، يعكس بوضوح أزمة المشروع السياسي الذي يحكم المركز منذ عقود. فالقوى التي عجزت عن بناء جيش قومي مهني موحد، وعن تأسيس دولة تتسع لجميع السودانيين، لا تزال تراهن على خطاب التخويف والكراهية والتحشيد الأهلي باعتباره وسيلة للبقاء السياسي، حتى وإن قاد ذلك إلى مزيد من التمزق والانهيار.
وفي المقابل، يتم التضييق على الأصوات التي تنادي بوقف الحرب، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية بصورة حقيقية، لا عبر إعادة تدوير ذات النخب والأدوات القديمة التي أوصلت البلاد إلى هذا المصير الكارثي.
إن السودان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية فارقة؛ فإما الاستمرار في مشروع الدولة القديمة القائمة على الاحتكار والإقصاء والتمليش، وإما التوجه نحو تأسيس دولة جديدة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية، وجيش وطني مهني، وسلطة مدنية تعبّر عن جميع السودانيين دون تمييز.
فمن اعتاد استخدام القبيلة وسيلة للحكم، ومن جعل الحرب أداة لإدارة السياسة، لا يمكنه أن يبني دولة مستقرة أو يصنع سلاماً دائماً. والسلام الحقيقي يبدأ حين تتوقف صناعة المليشيات، وتُهزم عقلية الهيمنة، ويصبح الوطن أكبر من مصالح النخب ومشروعات السلطة الضيقة.




