
د. جودات الشريف حامد
في رحلة البشر الطويلة و كما تحدثنا سرديات التاريخ الموثقة أن المنعطفات المرتبطة بالتحولات الكبرى و التي عاشتها الشعوب لن و لم تكن يوماً مشاهدها ,محطاتها وتعرجاتها (الكَرْكَوْ) بسيطًة أو خطيةً كما يبدو في ظاهرها، فالثورات والتحولات الكبرى لا تُنتج فقط تغييرات في موازين القوة و المواقف فحسب، بل تُنتج أيضًا عملية فرز حادة و عميقة(فرز أول و ثاني و ثالث) داخل سجايا الناس أنفسهم ليميز من يؤمنون بالفكرة فيصبرون عليها ومن كان انتماؤهم لها تشدقاً يتقربون به زُلفى لتمنحهم مساحة للسلطان والنفوذ و الأضواء و المكاسب -وهكذا لا يمكن قياس و معايرة التحولات الكبرى بعدد من يرفعون شعاراتها بلا صدق في النوايا ،لكنه تُقاس باختبار قدرة هؤلاء على الثبات عندما تصبح الشعارات مكلفة و العزائم واهنة والطريق و المسيرشاقاً وطويلًا و التمحيص حقيقياً ،في هذا السياق يبرز ما يمكن وصفه بـ”غربال التغيير الكبير” الذي زكره السيد الرئيس -القائد محمد حمدان دقلو في أحد تجليات خطاباته السابقة ،تلك اللحظة التي تُسقط فيها التجربة و مقياس العزائم على العابرين الذين يعتقدون أن الانتماء لمؤسسة الدعم السريع هو معبرهم و جسرهم للصولجان و السلطان والأبهة و المال..ألخ وتُبقي ذات التجربة و اختبار العزائم أصحاب القضية الحقيقيين.
ليس في التاريخ ثورة أو مشروع ثورة تحول واحد لم تمر بمرحلة الفرز القاسي(النكد)، في كل الحركات السياسية والتحررية كان هناك دائمًا من يقترب حين يكون المشهد جذابًا ثم يتراجع حين تتحول الفكرة إلى مسؤولية و تجرد وتضحية و نكران ذات -دائماً للثورات العظيمة كلفة واجبة السداد، لا تُسدد بالعواطف و الانتماء المزيف و الطموحات الفردية الغارقة في الذاتية ولا تُبنى على الحسابات الشخصية الضيقة لأنها مشاريع و المشاريع الثورية العظيمة تتطلب صبرًا طويلًا وإيمانًا عميقًا واستعدادًا لدفع ثمن المواقف حتى النهاية، ولهذا فإن كثيرًا من الذين يلتحقون بالمشاريع الكبرى بدوافع آنية و ذاتية من طموح سياسي أو بحث عن موقع أو رغبة في نفوذ يكتشفون مبكرًا أنهم أمام مسار مختلف تمامًا عما تصوروه أو خططوا له وعندما تتغير بعض المعادلات آنياً وتشتد التحديات وتصبح الكلفة أعلى من المكاسب المتوقعة يبدأ الانكشاف التدريجي وهنا يبدأ إعمال نظرية “الغربال الناعم”.
في كل مشروع تحولي كبير يوجد تياران أساسيان تيار يؤمن بأن التغيير ضرورة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة والتوازن وأن القضية أوسع من الأشخاص والمناصب واللحظات العابرة وتيار آخر ينظر إلى المشروع باعتباره فرصة سياسية أو عسكرية أو اجتماعية لإعادة التموضع الذاتي دون ارتباط حقيقي بجوهر الفكرة أو عمقها ،ومع مرور الوقت ومع اشتداد الاختبار يصبح الفرق بين التيارين أكثر وضوحًا و الفجوة أكثر إتساعاً -فالقضية مبدئاً لا تُختبر بالشعارات و(جعير الحلاقيم الكبيرة) بل تُختبر بالمواقف عندما تبلغ القلوب الحناجر من تساقط المتساقطين والالتزام التنظيمي و المؤسسي و القيمي في لحظات الخسارة والصبر عندما لا تكون المكاسب قريبة وهنا لا يبقى إلا من ارتبط بالمشروع كقناعة لا كمصلحة.
عبر التاريخ سقط كثيرون في منتصف الطريق ليس لأنهم أعداء للفكرة تماماً بل لأنهم لم يكونوا جزءًا منها بالعمق الكافي و القناعة الأعمق، فالثورة -أي ثورة لم تكن يوماً منصة للتموضع السياسي الشخصي ولا مساحة مؤقتة لإعادة تدوير الذات هي امتحان قاسٍ وتمحيص أقسى يكشفان الفارق بين من يرى نفسه جزءًا من مشروع تاريخي لمستقبل الأمة ومن يرى المشروع نفسه كوسيلة طارئة لبلوغ غاياته الذاتية و طموحاته المتواضعة ، وقد عبّر الشعر العربي عن هذا المعنى بوضوح حين قال المتنبي “على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم” فالأفكار الكبيرة لا تستقر ولا تغشاها سكينة البقاء و الاستمرار إلا في عقول المؤمنين بها حقاً فعقول و أفئدة الأشاوس و التأسيسيون عموماً كبيرة و ثابتة و مؤقنة و قادرة على الصبر والتضحية والوضوح الأخلاقي.
إن عودة بعض الأفراد إلى حواضنهم الأيدلوجية والسياسية السابقة ليست بالضرورة حدثًا يستحق الاستثناء و التركيز فهو لم يكن أكثر من كونه مؤشر يثبت طبيعة الانتماء الحقيقي لهؤلاء الأفراد العائدون الى مزابلهم الايدلوجية الطبيعية التي لم يغيروا في العمق تمسكهم وانتماؤهم لها- فالإنسان في لحظات الاختبار الصعبة يعود غالبًا إلى البيئة التي تشكل وعيه الأول خصوصًا إذا لم يكن قد تجاوزها فكريًا أو سياسيًا بشكل كامل، وفي هذا السياق لا تُقرأ ظواهر العائدين الى حضن “البلابسة” في الأسابيع الماضية سواءاً كانوا عسكريين أو مدنيين بمعزل عما أوردنا بعاليه، فالأمر ليس حالات أو ظواهر فردية أو شخصية بل هو جزء من عملية فرز طبيعية تحدث في كل الحركات و التحولات الثورية الكبرى إن “الغربال الناعم” لا يُقصي المترددين بل يكشفهم على حقيقتهم ويضع كل فرد في مكانه الحقيقي بعيدًا عن الضجيج والشعارات النفاقية المؤقتة.
إن المراقب عن كثب لهذه الظواهر والفقاعات الهلامية (موسى هلال، النور القبة،السافنا، إسماعيل الموتر) – يكتشف عجز الفلول و هوانهم على المنازلة ويفضح أكثر ادعاءهم القوة و التماسك المُدعى -فحين فشل “الكيزان” في تحقيق اختراق حقيقي في الميدان العسكري والسياسي و الاجتماعي لجأوا إلى تضخيم الانشقاقات الفردية الهلامية باعتبارها دلائل انهيار لمؤسسة الدعم السريع غير أن التجربة التاريخية تُظهر بوضوح أن المشاريع السياسية والعسكرية الثورية الكبرى لا تُقاس بهذا التساقط الفردي في مسار ثورة التغيير، لكن تُقاس بقدرتها على الاستمرار وعبرة النتائج.
ربما تكون أهم نتيجة درس مُستفاد لهذه المرحلة هي وضوح الصورة أكثر من أي وقت مضى فمشروع الثورة التأسيسية بشقيه المدني والعسكري لا يمكن أن ينجح في بيئة رمادية-أو منطقة وسطى ما بين تفكيك بنية دولة 56 و الحنين الي إبقاء رُفاتها المتعفنة، لكن هذا المشروع التأسيسي العملاق سينجح في ظل بيئة ثورية معافاة تُرص فيها صفوف أهل القضية و المبدأ ،صفوف التأسيسيين الذين يؤمنون بالفكرة ومستعدون لدفع كلفتها مقابل صفوف رمادية اختارت العودة إلى الماضي عندما أدركت تمحيصاً أن الكلفة أعلى من قدرتهم على التحمل وهذا التمايز رغم صدماته الظاهرة و العابرة هو شرط ضروري لا غِنى عنه لأي مشروع ثوري ،تحولي يريد أن يبني دولة أو يعيد تشكيل واقع اجتماعي و ثقافي و فكري و سياسي و عسكري مُعقد ،فالغموض داخل الصفوف أخطر من عدم غربلة و فرز الخصوم و الأعداء المندسين.
في نهاية المطاف فإن المشاريع الثورية الكبرى لا تُهزم بخروج بعض الأفراد ولا تتوقف مسارات التاريخ عند مغادرة المترددين فالثورات بطبيعتها البنيوية لم تكن يوماً رهينة الأشخاص بل رهينة الأفكار و المبادئ و القيم التي تحملها وما يثبته التاريخ دائمًا هو أن العابرين يسقطون في الطريق بينما تبقى القضايا التي تحملها القناعة الصادقة -وفي الحالة السودانية اليوم رغم كل التعقيدات لا يزال جوهر المشروع مرتبطًاً بفكرة أكبر من الجميع إعادة تعريف الدولة على أسس العدالة والمواطنة والتوازن بعيدًا عن احتكار السلطة والثروة والقرار وهذا النوع من المشاريع لا تصنعه التقلبات لكن تصنعه القناعات الثابتة ولهذا فإن إفرازات “غربال التغيير الكبير” ليس لحظة ضعف لكنه منظار تمحيص و كشف دقيق سقط و سيسقط فيه العابرون ويبقى أصحاب القضية و المبدأ و الثبات.




