رأي

أديس أبابا وسقوط أقنعة تحالف الجيش 

سمية النور دهب ،، دبلن 

 

سمية النور دهب ،، دبلن 

لم تكن اجتماعات الآلية الخماسية المنعقدة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مجرد مناسبة سياسية لمناقشة سبل إنهاء الحرب في السودان، بل تحولت إلى لحظة كاشفة أعادت ترتيب المشهد السياسي، ووضعت كثيراً من القوى أمام اختبار حقيقي لمواقفها وخياراتها. فقد أظهرت التطورات المصاحبة للاجتماعات أن الأزمة السودانية لم تعد فقط أزمة حرب وسلاح، وإنما أيضاً أزمة مشروع سياسي ورؤية وطنية لدى بعض القوى التي ظلت تتصدر المشهد خلال السنوات الماضية.

لقد كشف الانقسام الذي تفجر داخل الكتلة الديمقراطية، وهي واحدة من أبرز المكونات السياسية المساندة للجيش، حجم التناقضات التي ظلت مخفية خلف شعارات الوحدة والتماسك. فبمجرد طرح قضية المشاركة في اجتماعات تهدف إلى البحث عن مخرج سياسي للحرب، انقسمت المواقف وتباعدت الرؤى، وظهرت خلافات عميقة تعكس هشاشة الأسس التي قام عليها هذا التحالف منذ البداية.

فالتحالفات السياسية القوية تُبنى على برامج ورؤى وطنية واضحة، وتجمعها أهداف استراتيجية تتجاوز المصالح الآنية والظروف المؤقتة. أما التحالفات التي تنشأ حول تقاطعات مصلحية محدودة، فإنها سرعان ما تتعرض للاهتزاز عندما تواجه استحقاقات سياسية حقيقية تتطلب اتخاذ مواقف واضحة وحاسمة. وهذا ما حدث تماماً في أديس أبابا.

لقد أثبتت الأحداث أن ما كان يُقدَّم للرأي العام باعتباره جبهة موحدة، لم يكن في حقيقة الأمر سوى مظلة واسعة ضمت أطرافاً مختلفة لا يجمع بينها مشروع وطني متفق عليه. وعندما جاءت لحظة الاختبار، برزت التباينات إلى السطح، وانكشف حجم الخلاف حول قضايا جوهرية تتعلق بالحرب والسلام ومستقبل السودان.

والأهم من ذلك أن هذه التطورات كشفت للشعوب السودانية من يقف إلى جانب قضاياها الحقيقية، ومن يتخذ من معاناتها منصة لتحقيق المكاسب السياسية. فمع استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية وتزايد أعداد الضحايا والنازحين، أصبح السؤال الأساسي أمام القوى السياسية هو: هل الأولوية لوقف الحرب وإنقاذ البلاد، أم للحفاظ على مواقع النفوذ والحسابات الضيقة؟

لقد أجابت المواقف الأخيرة عن هذا السؤال بوضوح. فهناك قوى اختارت الانخراط في أي جهد يمكن أن يفتح نافذة نحو السلام، مهما كانت التحديات والتعقيدات، بينما فضلت قوى أخرى البقاء أسيرة حساباتها الخاصة ومواقفها المتشددة، حتى وإن أدى ذلك إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد فرص الحل.

إن الحرب الدائرة في السودان لم تكشف فقط هشاشة بعض التحالفات السياسية، بل كشفت أيضاً مستوى الوعي الذي بلغته الجماهير السودانية. فقد أصبحت الشعوب أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات والحقائق، وبين القوى التي تحمل مشروعاً وطنياً حقيقياً والقوى التي تتعامل مع الوطن باعتباره ساحة لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح.

ولهذا فإن ما جرى في أديس أبابا يمثل أكثر من مجرد خلاف سياسي عابر؛ إنه لحظة فرز تاريخية بين مشروع يسعى إلى إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام سلام شامل وتحول ديمقراطي حقيقي، ومشروع آخر ما زال عاجزاً عن مغادرة حساباته القديمة ورهاناته الضيقة.

وفي نهاية المطاف، فإن الأوطان لا تُبنى بالتحالفات الهشة التي تجمعها المصالح المؤقتة، وإنما تُبنى بالإرادة الوطنية الصادقة والرؤية المشتركة التي تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. والتاريخ السوداني، كما أثبت مراراً، لا يخلد أصحاب الشعارات العالية، بل يخلد أولئك الذين انحازوا إلى الوطن في لحظات الاختبار الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!