رأي

هل بدأت عملية تصفية جامعات دارفور وكردفان تحت غطاء العودة إلى المقرات الأصلية

د. موسى الأمين حمودة

 

د. موسى الأمين حمودة

في الوقت الذي ينتظر فيه آلاف الطلاب السودانيين عودة الحياة إلى جامعاتهم بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب والاضطراب، يخرج المجلس القومي للتعليم العالي التابع لسلطة بورتسودان بقرار يربط استمرار القبول الجامعي بعودة المؤسسات إلى مقارها الأصلية. وقد يبدو القرار للوهلة الأولى إجراءً تنظيمياً عادياً، لكن القراءة المتأنية للواقع السياسي والعسكري الذي تعيشه البلاد تكشف أبعاداً تتجاوز بكثير حدود التنظيم الإداري.

فالجامعات في دارفور وكردفان لم تتوقف عن العمل بإرادتها، ولم تغادر مقارها الأصلية طوعاً، وإنما فرضت عليها الحرب واقعاً قاسياً دفعها إلى النزوح نحو مناطق وُصفت بالآمنة داخل نطاق سيطرة الجيش. وهكذا انتقلت الإدارات والكليات والأساتذة والطلاب بحثاً عن الأمان أو سعياً لمواصلة العملية التعليمية في ظروف استثنائية لم تكن خياراً لأحد.

ورغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، لم تتمكن السلطات من توفير الظروف اللازمة لعودة هذه الجامعات إلى مقارها الأصلية أو استئناف نشاطها بصورة طبيعية. وظلت العملية الأكاديمية في العديد من المؤسسات معلقة أو مشلولة، بينما تراكمت خسائر الطلاب عاماً بعد عام، وضاعت فرص التعليم والاستقرار على أجيال كاملة.

وفي المقابل، شهدت هذه الفترة نقل مراكز اتخاذ القرار الأكاديمي والإداري إلى مناطق سيطرة الجيش، كما طالت إجراءات الفصل والإبعاد عدداً من الأساتذة والموظفين تحت دعاوى الارتباط أو التعاون مع قوات الدعم السريع. وبصرف النظر عن المبررات المقدمة لهذه الإجراءات، فإن النتيجة العملية كانت إضعاف العديد من الجامعات وتجريدها من جزء مهم من كوادرها البشرية وخبراتها المتراكمة.

واليوم، وبعد سنوات من التعطيل القسري من سلطات الجيش، يأتي القرار الجديد ليضع هذه الجامعات أمام معادلة بالغة القسوة: العودة الفورية إلى مقارها الأصلية أو الحرمان من القبول في العام الدراسي القادم. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لجامعة تقع خارج نطاق سيطرة الجهة التي أصدرت القرار، وفي منطقة ليسك لك عليها سيطرة وما تزال تعاني من آثار الحرب وانهيار البنية التحتية ونقص الخدمات، أن تستأنف نشاطها الكامل خلال فترة زمنية محدودة؟

الأكثر إثارة للانتباه أن القرار يأتي في وقت تتجه فيه حكومة “تأسيس” إلى إعادة فتح وتشغيل الجامعات الواقعة داخل مناطق سيطرتها. ويرى مؤيدو هذه الخطوة أنها لم تأتِ بدافع المنافسة السياسية أو السعي لإنشاء منظومة موازية، وإنما جاءت استجابة لواقع فرضته سنوات الحرب وتعطّل مؤسسات التعليم العالي. فبحسب هذا الطرح، حُرم آلاف الطلاب من مواصلة تعليمهم بسبب توقف الدراسة وإغلاق الجامعات أو نقل إداراتها وأنشطتها إلى مناطق سيطرة الجيش، رغم أن مقارها الأصلية تقع في دارفور وكردفان.

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الجامعات الواقعة داخل مناطق سيطرة الدعم السريع لم تتعرض للتدمير الممنهج أو للتحويل إلى مواقع عسكرية، بل ظلت محتفظة ببنيتها الأساسية إلى حد كبير، وأن ما تحتاجه هو استئناف نشاطها الأكاديمي وتمكين الطلاب والأساتذة من العودة إليها. ومن ثم فإن إعادة تشغيل هذه المؤسسات تُقدَّم باعتبارها استجابة لحق الطلاب في التعليم أكثر من كونها خطوة مرتبطة بالصراع السياسي والعسكري.

ومن هنا يبدو أن الصراع على الجامعات أصبح جزءاً من الصراع الأوسع على الشرعية والسيادة وإدارة مؤسسات الدولة ورأت سلطة بورتسودان محاولة قطع الطريق على مساعي حكومة تأسيس في فتح الجامعات . فبدلاً من البحث عن حلول تضمن استمرار التعليم للطلاب أينما وجدوا، تبدو الأولوية موجهة نحو منع ظهور أي منظومة تعليمية تعمل خارج إطار السلطة القائمة في بورتسودان.

ولهذا يرى كثيرون أن القضية لم تعد مجرد مسألة تنظيم أكاديمي، بل أصبحت محاولة لإعادة رسم خريطة التعليم العالي في السودان وفق اعتبارات سياسية وأمنية لسلطة الامر الواقع ببورتسودان. فالجامعات التي عجزت عن حمايتها وإبقائها مفتوحة خلال سنوات الحرب تُواجه اليوم بخطر جديد يتمثل في حرمانها من القبول الجامعي إذا لم تستوف شروطاً يصعب تحقيقها في ظل الظروف الراهنة.

صحيح أن القرار لا يتحدث صراحة عن حل جامعات دارفور وكردفان أو إلغاء شخصيتها القانونية، لكن المؤسسات لا تُصفّى دائماً بقرارات مباشرة. ففي كثير من الأحيان يكفي وقف القبول، وتعطيل النشاط الأكاديمي، واستنزاف الكوادر، وتجفيف الموارد، حتى تتحول الجامعة تدريجياً إلى هيكل فارغ يحمل اسماً دون أن يؤدي رسالته.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في نص القرار وحده، وإنما في نتائجه المتوقعة على المدى المتوسط والبعيد. فإذا كانت هذه الجامعات قد صمدت في وجه الحرب بكل ما حملته من دمار وتشريد، فمن المؤسف أن تجد نفسها اليوم أمام سياسات قد تؤدي عملياً إلى استكمال ما بدأته الحرب نفسها.

فالتعليم العالي ليس ملكاً لحكومة أو سلطة أو طرف سياسي، بل هو حق للأجيال القادمة وأحد أهم أدوات التنمية والاستقرار وبناء السلام. وأي قرار يؤدي إلى حرمان مناطق كاملة من مؤسساتها الأكاديمية، أو يضع مستقبلها العلمي رهينة للصراع السياسي والعسكري، لن يُنظر إليه باعتباره إصلاحاً إدارياً، بل باعتباره خطوة جديدة في مسار تهميش تلك المناطق وتجريدها من أحد أهم مقومات النهوض والتنمية.

ويبقى السؤال قائماً: هل الهدف الحقيقي هو إعادة الجامعات إلى مقارها الأصلية، أم إعادة تشكيل خريطة التعليم العالي في السودان بما يتوافق مع موازين القوة السياسية والعسكرية القائمة اليوم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!