امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلام: انتصار للحق في التعليم وترسيخ لمبدأ المواطنة المتساوية
نجوي بابو

نجوي بابو
في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، تكتسب إقامة امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلام أهمية سياسية وقانونية تتجاوز حدود العملية التعليمية نفسها. فهي ليست مجرد إجراء إداري يهدف إلى تمكين الطلاب من الجلوس للامتحانات، بل تمثل موقفًا مبدئيًا يؤكد أن الحقوق الأساسية للمواطنين لا ينبغي أن تكون رهينة للنزاعات السياسية أو العسكرية.
إن الحق في التعليم يعد من الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل. وقد أقرت هذه المواثيق بأن التعليم ليس امتيازًا تمنحه السلطات متى شاءت، بل حق أصيل لكل إنسان، تلتزم الدول والسلطات القائمة بضمان الوصول إليه دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي أو الموقع الجغرافي.
من هذا المنطلق، فإن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلام يمثل انتصارًا لمبدأ المساواة بين المواطنين، ورسالة واضحة بأن أبناء المناطق المهمشة جزء أصيل من الدولة السودانية ولهم ذات الحقوق التي يتمتع بها غيرهم من أبناء الوطن. كما أن هذه الخطوة تسهم في معالجة الآثار التاريخية للتهميش والإقصاء التي عانت منها قطاعات واسعة من الشعب السوداني لعقود طويلة.
تحمل هذه الخطوة دلالة عميقة تتمثل في الاعتراف العملي بحقوق المجتمعات المحلية في المشاركة الكاملة في الحياة الوطنية. فالتعليم ظل دائمًا أحد أهم أدوات بناء السلام والاستقرار، وأحد الجسور التي تربط المجتمعات بالدولة ومؤسساتها. وعندما يتم تمكين الطلاب من مواصلة مسيرتهم التعليمية رغم ظروف الحرب والنزوح وعدم الاستقرار، فإن ذلك يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل السودان ووحدته
فإن أي حرمان للطلاب من حقهم في أداء الامتحانات بسبب ظروف النزاع أو بسبب انتمائهم الجغرافي يعد مخالفة صريحة للمبادئ الإنسانية التي تحظر التمييز وتوجب حماية المدنيين وضمان استمرار الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم. ولذلك فإن توفير البيئة اللازمة لإقامة الامتحانات يعكس احترامًا لسيادة القانون والتزامات السودان الوطنية والدولية تجاه أجياله القادمة.
إن أبناء الهامش السوداني لا يطالبون بامتيازات خاصة، وإنما يطالبون بحقوق أصيلة كفلتها القوانين والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها الحق في التعليم والحق في تكافؤ الفرص. ومن هنا فإن قيام امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلام يمثل خطوة مهمة نحو بناء دولة المواطنة المتساوية، الدولة التي لا يُقاس فيها حق المواطن بموقعه الجغرافي أو خلفيته الاجتماعية، بل بكونه مواطنًا كامل الحقوق والواجبات.
إن نجاح هذه التجربة يجب أن يكون بداية لنهج وطني شامل يضع الإنسان السوداني في مركز الاهتمام، ويجعل من التعليم حقًا مصونًا لا تعرقله الحروب ولا تعطل مسيرته الخلافات السياسية. فالأمم تُبنى بالعلم، والسلام المستدام يبدأ من المدرسة، ومستقبل السودان لن تصنعه البنادق، بل سيصنعه الطلاب الذين يجلسون اليوم إلى مقاعد الامتحان حاملين حلم وطن أكثر عدلًا ومساواة.




