رأي

الحرب الملعونة: هل يقترب السودان من لحظة التوافق على السلام؟

صالح السليمي

 

صالح السليمي

يحمل البيان المشترك الصادر عن وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية، والمدعوم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والإيقاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة وعدد من الدول المؤثرة، دلالات سياسية تتجاوز مجرد التعبير عن القلق إزاء الحرب السودانية. فالبيان يعكس للمرة الأولى منذ فترة طويلة حالة من التوافق الإقليمي والدولي الواسع حول ضرورة إنهاء الحرب عبر مسار سياسي مدني شامل، ويرسل رسالة واضحة إلى أطراف النزاع بأن العالم بات أكثر اتفاقاً على صيغة الحل مما هي عليه القوى المتحاربة نفسها.

وتكمن أهمية هذا التوافق في أنه يجمع أطرافاً دولية وإقليمية كانت في مراحل سابقة تتبنى مقاربات مختلفة للأزمة السودانية. أما اليوم، فإن الرسالة المركزية للبيان هي أن الحرب لا تملك حلاً عسكرياً، وأن استمرارها لن يقود إلا إلى مزيد من الانهيار الإنساني والتشظي السياسي وتهديد وحدة السودان. ومن هنا تأتي أهمية الدعم الدولي للحوار السوداني ـ السوداني الذي تقوده القوى المدنية برعاية الآلية الخماسية.

وعلى المستوى العسكري، يبدو أن الحرب وصلت إلى مرحلة يمكن وصفها بـ”توازن الاستنزاف”. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لم يتمكن أي طرف من تحقيق نصر حاسم أو فرض سيطرة كاملة على البلاد. وفي المقابل، تراجعت قدرة الطرفين على تحقيق اختراقات استراتيجية تغير طبيعة الصراع بصورة نهائية. هذا الواقع يفسر إصرار المجتمع الدولي على أن الحل العسكري أصبح طريقاً مسدوداً، وأن مواصلة الحرب تعني فقط زيادة كلفة الدمار والخسائر البشرية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا ترفض جماعة بورتسودان أو تتحفظ على معظم المبادرات المطروحة لإنهاء الحرب؟ الإجابة تبدو مرتبطة بوجود تيارين داخل معسكر السلطة القائم. الأول يرى أن التسوية السياسية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري بصورة تقلص نفوذه، ولذلك يفضل استمرار الحرب أملاً في تحسين شروط التفاوض مستقبلاً. أما التيار الثاني، المرتبط بالحركة الإسلامية وجماعات الإخوان المسلمين، فينظر إلى أي عملية انتقال مدني مستقلة باعتبارها تهديداً مباشراً لفرص عودته إلى التأثير في السلطة، وهو ما يفسر التحفظ على المبادرات التي تنص صراحة على حكومة مدنية مستقلة بعيدة عن سيطرة أي طرف أو نفوذ الجماعات المتطرفة، كما ورد في البيان.

غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بمواقف الأطراف الحالية، بل بمستقبل السودان نفسه. فمخاطر التشظي والانقسام لم تعد مجرد سيناريوهات نظرية، بل أصبحت واقعاً يلوح في الأفق مع تعدد مراكز السلطة المسلحة واتساع الفجوات الجغرافية والسياسية والاجتماعية. ولذلك فإن قيمة التوافق الإقليمي والدولي لا تكمن فقط في السعي لإيقاف إطلاق النار، وإنما في محاولة الحفاظ على الدولة السودانية ومنع تحول الحرب إلى واقع دائم يكرس الانقسام ويقود إلى نشوء كيانات متنافسة داخل البلاد.

وفي هذا السياق، يكتسب المسار المدني الذي دعا إليه البيان أهمية استثنائية، لأنه يمثل الإطار الوحيد القادر على جمع السودانيين حول مشروع وطني جامع لا يقوم على الغلبة العسكرية، وإنما على التوافق السياسي والشرعية الشعبية. كما أن التلويح باتخاذ إجراءات ضد الجهات التي تعرقل الانتقال المدني يعكس رغبة دولية متزايدة في الانتقال من مرحلة الدعوات العامة إلى مرحلة ممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية على معرقلي السلام.

في المحصلة، يكشف البيان عن حقيقة أساسية مفادها أن الإرادة الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب أصبحت أقوى وأكثر وضوحاً من أي وقت مضى، بينما تتراجع رهانات الحسم العسكري يوماً بعد يوم. ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة القوى السودانية على إدراك أن استمرار هذه الحرب الملعونة لن يفضي إلى منتصر حقيقي، وأن إنقاذ السودان ووحدته بات مرهوناً بالانتقال من ساحات القتال إلى طاولة الحوار قبل أن يصبح خطر الانقسام واقعاً لا يمكن تجاوزه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!