
فاطمة لقاوة
لم يعد إستهداف المدنيين في السودان مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل تحول إلى سياسة ممنهجة وأداة ضغط تستخدمها عصابة بورتسودان في مواجهة المجتمعات المحلية التي ترفض الخضوع لمشاريعها وأجندتها،و يأتي تدمير كبري أردمتا بولاية غرب دارفور ليكشف مرة أخرى الوجه الحقيقي لهذه العصابة التي لم تتورع عن تحويل الغذاء والدواء وإحتياجات المدنيين الأساسية إلى أهداف عسكرية.
كبري أردمتا ليس مجرد منشأة هندسية أو مشروع تنموي عادي، بل يمثل شرياناً حيوياً يربط ملايين المواطنين بالمساعدات الإنسانية القادمة عبر معبر أدري الحدودي،ومن هنا فإن إستهدافه لا يمكن فهمه إلاَّ في سياق خُطة متعمدة لخنق الإقليم إنسانياً وتعميق معاناة النازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب.
ظلت دارفور طوال الأشهر الماضية تواجه أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد، وسط تحذيرات متكررة من منظمات الإغاثة الدولية بشأن خطر المجاعة وإنعدام الأمن الغذائي،وفي ظل هذه الظروف الكارثية، يأتي تدمير هذا الجسر ليضاعف من معاناة السكان ويهدد بتعطيل وصول الغذاء والدواء والمساعدات المنقذة للحياة إلى مئات الآلاف من المدنيين، خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن.
ما أقدمت عليه عصابة بورتسودان لا يمثل مجرد عمل عسكري، بل يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر إستهداف الأعيان المدنية، وتجرّم إستخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، وتمنع عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحتاجين.
تدمير ممر حيوي تعتمد عليه عمليات الإغاثة الإنسانية،الهدف الحقيقي منه يصبح واضحاً: معاقبة السكان المدنيين وفرض المعاناة الجماعية عليهم.
إستهداف أردمتا ليست حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة طويلة من الإعتداءات التي طالت الجسور والمطارات ومحطات المياه والبنى التحتية الحيوية في مختلف أنحاء السودان،و التي نفذها الطيران المصري بموافقة عصابة بورتسودان،وهو نهج يكشف عقلية قائمة على التدمير الممنهج وتقويض مقومات الحياة، في محاولة يائسة لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية عبر نشر الفوضى وتعميق الأزمة الإنسانية.
أخطر ما في هذه الجريمة أنها تستهدف الحق في الحياة بصورة مباشرة،فكل شاحنة مساعدات تُمنع من الوصول، وكل دواء يتعذر نقله، وكل طفل يُحرم من الغذاء بسبب قطع هذا الممر الحيوي، يمثل شاهداً إضافياً على حجم الجريمة التي ترتكبها عصابة بورتسودان بحق المدنيين السودانيين.
الصمت على هذه الإنتهاكات لم يعد مقبولاً، كما أن الإكتفاء ببيانات القلق والإدانة لم يعد كافياً.
المطلوب اليوم هو فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف لتحديد المسؤولين عن تدمير كبري أردمتا ومحاسبتهم، وضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب،كما يجب إتخاذ إجراءات عاجلة لتأمين الممرات الإنسانية وضمان إستمرار تدفق المساعدات عبر معبر أدري وكل المسارات الإنسانية الأخرى.
سيظل تدمير كبري أردمتا وصمة عار في سجل عصابة بورتسودان، ودليلاً جديداً على أن حربها لم تعد موجهة ضد خصوم عسكريين، بل ضد المدنيين الأبرياء الذين أصبحوا أهدافاً مباشرة لسياسات التجويع والحصار والتدمير،والتاريخ سيسجل أن من إستهدف الجسور التي تعبر عليها المساعدات الإنسانية لم يكن يحارب جيشاً، بل كان يحارب شعباً بأكمله.
ولنا عودة بإذن الله




