رأي

المصباح طلحة ورواندا.. ما القصة التي لا يريدون الإجابة عنها؟

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

منذ يومين تتصدر منصات التواصل الاجتماعي أنباء غير مؤكدة تتحدث عن إلقاء القبض على المصباح طلحة، قائد مليشيا البراء بن مالك، داخل الأراضي الرواندية. وبينما انتشر الخبر بسرعة كبيرة، ظل السؤال الأهم معلقاً دون إجابة: هل حدث ذلك فعلاً أم لا؟

حتى هذه اللحظة لا يوجد تأكيد رسمي من السلطات الرواندية، كما لا يوجد نفي حاسم يضع حداً للجدل. وبين التأكيد الغائب والنفي المفقود، تمددت مساحة التكهنات، وتحول الخبر إلى مادة يومية للنقاش والتحليل.

لكن بعيداً عن السؤال التقليدي: هل تم القبض عليه أم لا؟ ربما يكون من الأجدى طرح سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا كان يفعل المصباح طلحة في رواندا إذا كان قد ذهب إليها بالفعل؟

فرواندا ليست دولة مجاورة للسودان، وليست طرفاً مباشراً في الحرب الدائرة. كما أنها دولة تمتلك تجربة خاصة ومؤلمة مع الصراعات الداخلية والعنف السياسي، ولذلك بنت مؤسسات أمنية شديدة الحساسية تجاه أي نشاط يمكن أن يهدد الاستقرار أو يعيد إنتاج الفوضى التي دفعت البلاد ثمناً باهظاً للخروج منها.

لذلك فإن مجرد الحديث عن وجود شخصية عسكرية مثيرة للجدل داخل الأراضي الرواندية يفتح أبواباً واسعة من التساؤلات.

لماذا رواندا تحديداً؟

ومن الذي رتب لهذه الزيارة؟

وهل كانت الزيارة معلنة أم سرية؟

وما طبيعة الجهات التي كان من المفترض أن يلتقي بها هناك؟

وهل كانت الزيارة ذات طابع سياسي أم تنظيمي أم أمني؟

وهل يمكن أن تكون مرتبطة بشبكات وعلاقات تتجاوز حدود السودان؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما نتذكر أن الحركات الإسلاموية العابرة للحدود لطالما اعتمدت على بناء شبكات اتصال وتحالفات تمتد خارج حدود الدول التي تنشط فيها. ولذلك فإن أي تحرك لشخصية بحجم المصباح طلحة خارج السودان لا يمكن أن يمر باعتباره حدثاً عادياً أو رحلة شخصية بلا أهداف.

لكن هنا يظهر سؤال آخر لا يقل أهمية.

إذا كان قد ذهب بالفعل إلى رواندا، فكيف يمكن أن يكون موقف الحكومة الرواندية من ذلك؟

هل يمكن لدولة عانت عقوداً من آثار الحروب والصراعات أن تنظر إلى مثل هذه الزيارة باعتبارها أمراً عادياً؟

هل كانت السلطات الرواندية ستسمح له بالتحرك بحرية كاملة؟

أم أنها كانت ستتعامل مع الأمر بحذر شديد وتخضعه للمراقبة والتحري؟

بل هل يمكن أن تكون الزيارة نفسها قد أثارت تساؤلات لدى الأجهزة الأمنية الرواندية حول أهدافها وخلفياتها؟

كل هذه احتمالات منطقية، لكنها تظل مجرد احتمالات ما لم تظهر معلومات موثقة تؤكدها أو تنفيها.

وفي المقابل، هناك احتمال آخر لا يقل إثارة للاهتمام.

ماذا لو لم تكن القضية كلها مرتبطة برواندا أصلاً؟

ماذا لو كان الهدف الحقيقي هو صناعة حالة من الضجيج الإعلامي تستمر لأيام؟

فمن الملاحظ أن الخبر ظل يتضخم على وسائل التواصل الاجتماعي دون أن يجد حداً فاصلاً بين الحقيقة والشائعة. وهذه المنطقة الرمادية هي البيئة المثالية لصناعة الجدل وإشغال الرأي العام.

وهنا تبرز مجموعة أخرى من الأسئلة.

لماذا لم يخرج أي رد حاسم ينهي الجدل؟

ولماذا استمرت القصة في التداول بهذه الكثافة؟

ومن المستفيد من بقاء الناس منشغلين بمصير المصباح طلحة؟

وهل هناك حدث آخر أكبر يجري في الخلفية بينما تتجه الأنظار كلها نحو هذه الرواية؟

التجربة السودانية خلال السنوات الأخيرة تجعل مثل هذه الأسئلة مشروعة. فقد اعتاد السودانيون على ظهور قصص ضخمة تستحوذ على النقاش العام لأيام، قبل أن يكتشفوا لاحقاً أن هناك أحداثاً أخرى أكثر خطورة كانت تتشكل بعيداً عن الأضواء.

ولهذا فإن القراءة السياسية للمشهد لا تتوقف عند صحة الخبر أو عدم صحته، بل تمتد إلى محاولة فهم التوقيت والظروف والنتائج المترتبة على انتشاره.

فإذا كان الخبر صحيحاً، فإن الأسئلة المتعلقة بسبب زيارة رواندا وأهدافها تصبح ضرورية ولا يمكن تجاوزها.

أما إذا كان الخبر غير صحيح، فإن السؤال يصبح أكثر خطورة: لماذا أُطلق؟ ولماذا تُرك لينمو ويتمدد دون حسم؟

وهل المطلوب أن ينشغل الناس بالقصة نفسها أكثر من انشغالهم بالحقيقة؟

إن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القضية ليس ما نعرفه، بل ما لا نعرفه. فعدد الأسئلة يفوق بكثير عدد الإجابات. وكلما طال الصمت، ازدادت الشكوك، واتسعت مساحة الاحتمالات.

لذلك ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: هل ألقي القبض على المصباح طلحة في رواندا؟

بل: ما الذي يجري خلف هذا الضجيج؟

وما الحدث الذي لا يريد البعض أن يكون محور النقاش العام؟

وما الحقيقة التي يحاول هذا الجدل المستمر إبعاد الأنظار عنها؟

إلى أن تظهر إجابات واضحة وموثقة، سيبقى هذا الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات، وسيبقى الغموض نفسه جزءاً أساسياً من القصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!