
محمد تاج الدين الحلو
لم يفاجئني ما انتهى إليه فارس النور، ولم أجد في مواقفه الأخيرة ما يستحق الدهشة أو الاستغراب. على العكس تماماً، فقد بدا لي هذا المصير متوقعاً منذ وقت مبكر، لأن المؤشرات كانت حاضرة وواضحة لكل من أراد أن يقرأ المشهد بعيداً عن العواطف والمجاملات والشعارات المصنوعة.
منذ معرفتي به داخل المؤسسة، ظل سؤال واحد يلاحقني باستمرار: ما الذي يبرر كل هذا التقديم وهذا الاحتفاء؟ ما الذي يجعل شخصاً بهذا الحجم المحدود من التجربة والمعرفة والمواقف يحتل كل تلك المساحات؟ لم أجد إجابة مقنعة آنذاك، كما لا أجدها اليوم.
لم يكن فارس النور صاحب مشروع فكري مؤثر، ولم يكن صاحب تاريخ نضالي استثنائي، ولم يعرف عنه موقف صلب دفع ثمنه كما دفعه كثيرون من أبناء الحركة الوطنية. ومع ذلك، جرى تقديمه باعتباره أحد الوجوه البارزة، بينما كان آخرون أكثر كفاءة وخبرة وتضحية يُتركون في الظل.
بعد اندلاع الحرب، التقيته في نيروبي خلال النقاشات والجهود التي سبقت تأسيس المشروع السياسي الجديد. وهناك أصبحت الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لم أجد أمامي تجربة سياسية ناضجة أو رؤية متماسكة، بل رأيت نموذجاً متكرراً لصناعة الواجهات الإعلامية والسياسية داخل دوائر النفوذ.
لقد كانت الأزمة الحقيقية، في تقديري، أكبر من شخص فارس النور نفسه. فقد كان مجرد نتاج طبيعي لمرحلة اختلت فيها الموازين، وأصبحت فيها القدرة على الاقتراب من مراكز القرار أكثر أهمية من امتلاك الرؤية، وأصبحت العلاقات الشخصية أكثر تأثيراً من الاستحقاق الحقيقي.
صعد آخرون عبر التضحيات والمواقف والمواجهة المباشرة مع التحديات، أما فارس النور فقد بدا وكأنه يصعد عبر المصاعد الخلفية للنفوذ، مستفيداً من شبكة علاقات أكثر من استناده إلى رصيد سياسي أو فكري أو نضالي حقيقي.
ولهذا فإن ما يصفه البعض اليوم بالخيانة أو الانقلاب أو السقوط المفاجئ، لا أراه كذلك. فالانهيارات الكبرى لا تحدث فجأة، وإنما تكون نتيجة تراكم طويل من الاختلالات التي يتم تجاهلها أو التستر عليها حتى تأتي لحظة انكشافها أمام الجميع.
الحقيقة المؤلمة أن المؤسسات التي تتخلى عن معيار الكفاءة والاستحقاق وتستبدله بمعيار الولاء الشخصي، لا تصنع قيادات حقيقية، وإنما تصنع ظواهر مؤقتة سرعان ما تتبدد عند أول اختبار جاد. وعندما تحين لحظة الامتحان الحقيقي، تسقط الأقنعة ويبقى فقط أصحاب المواقف الراسخة.
إن قصة فارس النور ليست قصة فرد واحد بقدر ما هي مرآة تعكس خللاً أعمق في آليات الاختيار والتقديم وصناعة القيادات. وهي تذكير قاسٍ بأن أي مشروع سياسي أو وطني لا يبنى على الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، سيظل معرضاً لإنتاج الأزمات ذاتها وإعادة تدوير الأخطاء نفسها.
وفي النهاية، فإن الأشخاص يذهبون ويأتون، لكن الدرس يبقى. والدرس هنا واضح: عندما تُقدَّم الوجوه على المبادئ، وتُقدَّم العلاقات على الكفاءة، وتُقدَّم المصالح على المواقف، فإن النتيجة الحتمية ليست بناء القيادات، بل صناعة خيبات الأمل.
لهذا لم تكن النهاية مفاجئة، بل كانت النتيجة المنطقية لمسار بدأ معوجاً وانتهى إلى ما كان متوقعاً منذ البداية.




