
خضر كوة
في السياسة، قد يختلف الناس حول المواقف والرؤى، لكن ثمة حقيقة يصعب تجاوزها؛ وهي أن من حكم البلاد لعقود، وامتلك القرار والثروة والسلطة، لا يستطيع أن يتحدث اليوم كما لو أنه كان مجرد شاهد على ما جرى. فالذاكرة الوطنية ليست قصيرة، والتاريخ لا يُعاد كتابته بالتصريحات.
من هذا المنطلق جاءت تصريحات عبد الرحمن الخضر، أحد أبرز رموز نظام الإنقاذ، محملة بالاستعلاء السياسي ذاته الذي لازم تلك المرحلة. فبدلاً من قراءة الغضب الشعبي ومحاولة فهم أسبابه، اختار العودة إلى لغة التصنيف والإقصاء، فوصف معارضيه ومحتجين من أبناء الشمال بأوصاف تقلل من شأنهم، وكأن الاختلاف في الرأي جريمة، وكأن الوطنية امتياز تمنحه السلطة لمن تشاء وتسلبه ممن تشاء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: بأي رصيد سياسي أو أخلاقي يتحدث الذين حكموا السودان ثلاثين عاماً عن الوطنية؟
لقد ورث السودانيون من تلك الحقبة دولة منهكة، واقتصاداً متراجعاً، ومؤسسات ضعيفة، وحروباً طويلة، وانقسامات اجتماعية وسياسية عميقة، فضلاً عن ملايين النازحين واللاجئين، وهجرة الكفاءات، وتراجع الخدمات الأساسية. وهذه ليست رواية خصوم سياسيين، بل وقائع سجلها التاريخ وعاشها السودانيون.
المفارقة أن بعض رموز ذلك العهد يبدون حساسية كبيرة تجاه معاناة فئة بعينها عندما تخدم مواقفهم السياسية، بينما يغيب هذا الحس الإنساني أمام مآسي ملايين السودانيين الذين دفعتهم الحرب والفقر والنزوح إلى أوضاع مأساوية. فالإنسانية لا تُقاس بالمواقف الانتقائية، وإنما بثبات المبادئ واتساقها.
أما الدعوة إلى الحسم الأمني واعتقال المحتجين، فهي تعكس استمرار العقلية التي ترى في القبضة الأمنية حلاً لكل أزمة سياسية. غير أن التجربة السودانية أثبتت أن القوة قد تؤجل الأزمات، لكنها لا تعالج أسبابها، وأن الحوار والعدالة والإصلاح المؤسسي هي وحدها القادرة على بناء الاستقرار.
إن الاحتجاجات التي يشهدها أي جزء من السودان ليست بالضرورة مؤامرة، وليست دليلاً على الخيانة، وإنما قد تكون تعبيراً عن شعور بالتهميش أو الغضب أو فقدان الثقة في المؤسسات. والتعامل معها يبدأ بالاستماع إلى أسبابها، لا بإطلاق الأوصاف أو شيطنة أصحابها.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً نتيجة الاستقطاب السياسي الحاد، ولن يقبلوا العودة إلى مرحلة كانت فيها الدولة تُختزل في حزب، والوطن في سلطة، والمعارضة في خانة الاتهام. فالسودان اليوم يحتاج إلى مراجعة صادقة للماضي، وإلى الاعتراف بالمسؤوليات، لا إلى إعادة إنتاج الخطاب الذي عمّق الانقسامات.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل البلاد دون الإقرار بأن القوى التي تولت الحكم لسنوات طويلة تتحمل نصيباً أساسياً من المسؤولية عن المسار الذي انتهى إليه السودان. وهذه المسؤولية ليست اتهاماً سياسياً، بل استحقاقاً تفرضه مبادئ المحاسبة والشفافية.
إن الوطن لا يبنى بالاستعلاء، ولا ينهض بالتخوين، ولا يستعيد عافيته بإحياء خطابات الماضي. بل يبنى بدولة المواطنة، وسيادة القانون، والمحاسبة، واحترام التعدد، وإتاحة المجال لكل السودانيين للمشاركة في رسم مستقبلهم بعيداً عن الإقصاء والاحتكار.
لقد تغير السودان، وتغير شعبه، ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء. فالأجيال الجديدة تبحث عن وطن يتسع للجميع، لا عن سلطة تحتكر الحقيقة أو تدّعي امتلاك الوطنية وحدها.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن يدركها كل من لا يزال يعتقد أن التاريخ يمكن أن يُكتب من جديد بخطاب سياسي، بينما تظل الوقائع محفورة في ذاكرة شعب لم ينسَ، ولن ينسى، كيف وصل وطنه إلى هذه اللحظة.




