
نجم الدين دريسة
لا يُبنى وطنٌ عادلٌ فوق إنكار التاريخ، ولا يستقر دون مساواةٍ كاملة.
من أكثر المعضلات التي تعيق النقاش العام في السودان أن جزءاً كبيراً من الخطاب النخبوي يتعامل مع الأزمة الراهنة باعتبارها نتاجاً مباشراً لحرب الخامس عشر من أبريل، وكأن السودان كان يعيش حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي قبل اندلاعها. هذا التبسيط المخل لا يساعد على فهم جذور الأزمة، بل يساهم في إعادة إنتاجها عبر اختزالها في مظاهرها الأخيرة بدلاً من البحث في أسبابها العميقة والمتراكمة.
الحقيقة أن الأزمة السودانية أقدم بكثير من الحرب الحالية، بل إنها تسبق لحظة الاستقلال نفسها. فالدولة التي نشأت بعد خروج الاستعمار لم تكن تعبيراً كاملاً عن التنوع السوداني، ولم تُبنَ على عقد اجتماعي شاركت في صياغته جميع المجموعات السكانية والأقاليم المختلفة. ومنذ ذلك الوقت بدأت تتشكل دولة مركزية احتكرت السلطة والثروة والقرار السياسي، بينما وجدت قطاعات واسعة من السودانيين نفسها خارج دائرة التأثير والمشاركة.
لقد أنتج هذا النموذج من الحكم حالة مستمرة من الاختلال البنيوي. ففي المجال السياسي تركزت السلطة في نطاق ضيق، وفي المجال الاقتصادي تركزت التنمية والخدمات في مناطق محددة، بينما عانت أقاليم واسعة من الإهمال والتهميش. أما على المستوى الاجتماعي والثقافي فقد جرى تقديم سردية أحادية للهوية الوطنية، الأمر الذي أدى إلى شعور قطاعات عديدة بأن الدولة لا تعكس واقعها ولا تعبر عن خصوصياتها الثقافية والتاريخية.
ومن هنا فإن ما يُعرف بأزمة الهوية في السودان ليس ظاهرة طارئة أو نتيجة مباشرة للحرب، وإنما هو أحد أهم إفرازات طريقة بناء الدولة الحديثة. فعندما تُقدَّم هوية واحدة باعتبارها التعبير الحصري عن الوطن، فإن ذلك يؤدي بصورة تلقائية إلى استبعاد الهويات الأخرى أو تهميشها. وحين يحدث هذا الاستبعاد على مدى عقود طويلة، تتحول الهوية من عامل توحيد إلى مصدر صراع وانقسام.
كما أن خطاب الكراهية والعنصرية لم ينشأ من فراغ. فهذه الظواهر تجد جذورها في بنية سياسية واجتماعية قامت على التراتبية والتمييز وعدم الاعتراف الكامل بالتنوع. وعندما تفشل الدولة في تحقيق المساواة بين مواطنيها، يصبح الانتماء الجهوي أو الإثني أو الثقافي بديلاً عن الانتماء الوطني الجامع، وهو ما يقود في نهاية المطاف إلى تفكيك المجال الوطني المشترك.
لقد شهد السودان خلال تاريخه الحديث موجات متتالية من الاحتجاجات السياسية والمطالبات بالحقوق. ولم تكن تلك الاحتجاجات مجرد ردود أفعال عابرة، بل كانت تعبيراً موضوعياً عن خلل عميق في توزيع السلطة والثروة والفرص. وكانت الرسالة الأساسية التي حملتها هذه الحركات واضحة: لا يمكن تحقيق الاستقرار دون عدالة، ولا يمكن بناء دولة مستدامة دون مساواة حقيقية بين المواطنين.
ومن الناحية النظرية والتجارب المقارنة، فإن الدول المتنوعة لا تستقر عبر الإنكار أو الإقصاء، وإنما عبر الاعتراف بالتعدد وتحويله إلى مصدر قوة. والسودان من أكثر بلدان أفريقيا والعالم العربي تنوعاً من حيث الثقافات واللغات والمكونات الاجتماعية، ولذلك فإن أي مشروع وطني يتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليه بالفشل مهما امتلك من أدوات القوة.
إن المدخل الحقيقي للحل يبدأ بإعادة تعريف الدولة السودانية نفسها. فالأزمة لم تعد أزمة حكومة أو نظام سياسي بعينه، بل أصبحت أزمة نموذج دولة يحتاج إلى مراجعة شاملة. والمطلوب ليس إصلاحاً سطحياً لبعض المؤسسات، وإنما إعادة تأسيس تقوم على قواعد جديدة أكثر عدلاً واستدامة.
وتتطلب هذه العملية أولاً تبني مفهوم المواطنة باعتباره أساس الحقوق والواجبات، بحيث يصبح جميع المواطنين متساوين أمام القانون دون تمييز. كما تتطلب ثانياً الاعتراف بالهوية السودانوية الجامعة التي تستوعب كل المكونات الثقافية والاجتماعية دون إقصاء أو احتكار.
أما على مستوى الحكم، فإن النظام الفدرالي يمثل أحد أكثر الخيارات قدرة على معالجة الاختلالات التاريخية، لأنه يتيح توزيعاً أكثر عدالة للسلطة والثروة والتنمية، ويمنح الأقاليم دوراً حقيقياً في إدارة شؤونها والمشاركة في صناعة القرار الوطني.
كذلك فإن العلاقة بين الدين والدولة تحتاج إلى إطار دستوري واضح يضمن حرية المعتقد ويحمي المجال السياسي من التوظيف الديني، ويمنع في الوقت نفسه استخدام الدولة لفرض تصورات عقدية على المواطنين. فالدولة الحديثة لا تقوم على الامتياز الديني، وإنما على الحياد القانوني والمساواة المدنية.
ولا يقل أهمية عن ذلك إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية على أسس مهنية وقومية متفق عليها، بحيث تصبح مؤسسات تعبر عن جميع السودانيين وتحمي الدولة والمجتمع، لا أن تكون أدوات لصراع النخب أو احتكار السلطة.
غير أن أي عملية تأسيس جديدة ستظل ناقصة ما لم ترتبط بمشروع شامل للعدالة الانتقالية والتاريخية. فالسودان يحمل إرثاً ثقيلاً من الحروب والانتهاكات والتمييز والتهميش، وهذه القضايا لا يمكن تجاوزها بالتجاهل أو النسيان. المطلوب هو الاعتراف بالمظالم ومعالجتها عبر آليات قانونية وسياسية ومجتمعية تفتح الطريق نحو مصالحة وطنية قائمة على الحقيقة والإنصاف.
إن الحرب الحالية عمقت الأزمة بلا شك، لكنها لم تصنعها. وما لم يُنظر إليها باعتبارها عرضاً لأزمة أقدم وأعمق، فإن أي تسوية سياسية مؤقتة ستتحول إلى محطة جديدة في دورة الصراع نفسها. ولذلك فإن مستقبل السودان يتوقف على قدرته في الانتقال من دولة الامتيازات التاريخية إلى دولة المواطنة، ومن مركزية الهيمنة إلى فدرالية المشاركة، ومن الهوية الأحادية إلى الهوية السودانوية الجامعة.
هذه ليست رؤية مثالية أو ترفاً فكرياً، بل هي استحقاق تاريخي فرضته عقود طويلة من الإخفاقات والتجارب المريرة. والسؤال الذي يواجه السودانيين اليوم ليس كيف يوقفون الحرب فقط، وإنما كيف يؤسسون دولة تمنع عودة أسباب الحرب من جديد. وعند هذه النقطة تحديداً يبدأ الطريق نحو السلام الدائم والاستقرار المستدام.



