رأي

الأبيض❗️إختبار السلام الأخير

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم تعد الحرب في السودان تُقاس بعدد الجبهات التي تشتعل، بل بحجم الإنسان الذي يُفقد كل يوم، فبعد سنوات من القتال، لم يعد السؤال: من يحقق تقدماً عسكرياً؟ وإنما: من يمتلك الإرادة السياسية لإنقاذ ما تبقى من الوطن؟في هذا السياق، تبرز مبادرة حكومة السلام والوحدة لفتح ممرات آمنة للمدنيين في مدينة الأبيض بإعتبارها أكثر من مجرد بيان سياسي؛ إنها إختبار حقيقي لمدى قدرة الأطراف السودانية على الإنتقال من خطاب الحرب إلى منطق حماية الإنسان، فالمدينة، بما تمثله من ثقل جغرافي وإنساني، أصبحت رمزاً لمعاناة السودان كله، وأي نجاح في تأمين المدنيين فيها قد يفتح نافذة أمل في جدار الحرب السميك.

ما يميز هذه المبادرة أنها تنقل النقاش من معادلة السيطرة العسكرية إلى أولوية حماية المدنيين.

الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه الجيوش على الأرض، وإنما أيضاً بقدرة القيادات على تقليل كلفة الصراع على المواطنين، ولهذا فإن نجاح الممرات الإنسانية لن يكون إنتصاراً لطرف على آخر، بل إنتصاراً لفكرة الدولة التي تضع حياة الإنسان فوق حسابات السلاح.

تبدو القوى-(البرهان و عصابته)- التي لا تزال تراهن على إستمرار التعبئة العسكرية كأنها تعيد إنتاج الأزمة نفسها، فكلما طال أمد الحرب، تقلصت فرص الحل السياسي، وإتسعت رقعة الدمار، وتعاظمت معاناة المدنيين.

لم يعد الخطاب التعبوي، مهما إرتفعت نبرته، قادراً على إقناع شعب أنهكته المجاعة والنزوح والإنهيار الاقتصادي،فقد تجاوز السودانيون مرحلة التنافس بين التعبئة في المنابروالتصريحات امام الحشود، فالأم التي تنتظر عودة إبنها، والمزارع الذي فقد موسمه، والطفل الذي حُرم من التعليم، لا يبحثون عن الطرف الأكثر بلاغة في الحديث عن حرب الكرامة و الحسم العسكري، وإنما عن الطرف الذي يستطيع وقف إطلاق النار وفتح الطرق وإيصال الغذاء والدواء.

لهذا فإن مبادرة “ممرات الأبيض” تمثل إختباراً مزدوجاً؛ إختباراً لحكومة السلام في قدرتها على تحويل تعهداتها إلى واقع ملموس، وإختباراً للطرف الآخر-(عصابة بورتسودان)- في مدى إستعداده لتقديم المصلحة الوطنية على رهانات الحسم العسكري،كما أنها تمثل إختباراً للمجتمع الدولي، الذي كثيراً ما إكتفى ببيانات القلق دون توفير الضمانات الكافية لحماية المدنيين وإنجاح المبادرات الإنسانية.

السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي، فإما أن تتحول المبادرات الإنسانية إلى مدخل لبناء الثقة ووقف الحرب، أو تبقى مجرد عناوين عريضة تضاف إلى أرشيف طويل من الفرص الضائعة بسبب عدم إمتلاك البرهان لإرادة سياسية تمكنه من اتخاذ مواقف تحقن دما السودانيين.

لن يكتب التاريخ أسماء من أطالوا أمد الحرب، بل سيذكر من إمتلكوا الشجاعة لإيقافها، فالنصر الحقيقي في السودان لن يكون بسيطرة مدينة أو كسب معركة، وإنما بإنقاذ الإنسان السوداني، وإستعادة الدولة من بين أنقاض الحرب، وإذا نجحت ممرات الأبيض في حماية المدنيين، فقد تكون بداية الطريق نحو سلام طال إنتظاره، أما إذا تعثرت، فستكون دليلاً جديداً على أن السودان ما زال أسير صراع يستهلك الوطن قبل أن يستهلك خصومه.

ولنا عودة بإذن الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!