رأي

​متلازمة “الخرطوم المصغّرة”: تشريح الذهنية الإقصائية وتفكيك متوالية التقسيم السوداني

​مليح يعقوب حماد

 

​مليح يعقوب حماد

رئيس قسم الثقافة والفكر – المركز الإفريقي للديمقراطية والتنمية

​مقدمة

​إن أزمة الدولة السودانية المعاصرة هي، في مقامها الأول، أزمة عقل سياسي إقصائي، نشأ وتغذى في حواضن ومقرات الأحزاب التقليدية والكيانات الشمولية التي تمركزت بكثافة في العاصمة الخرطوم. لقد مثلت هذه المدينة على مدى عقود “المختبر المعرفي” والمطبخ السياسي المسؤول عن إنتاج فيروسات الاستبعاد وتصديرها من المركز إلى الأطراف. وبما أن هذه الكيانات الحزبية قد عجزت بنيوياً عن استيعاب التنوع وإدارة التعدد داخل هياكلها التنظيمية الخاصة، فمن الطبيعي أن تعجز عن إدارته على المستوى الديموغرافي والوطني الشامل؛ مما يجعل المراهنة على أدواتها التقليدية اليوم عبارة عن تحصيل حاصل وهدر لوقت الشعب وتبديد لطاقاته.

​وإذا ما تتبعنا مسار هذه الأزمة، نجد أن تجربة نظام “المؤتمر الوطني” قد تجاوزت الإقصاء السياسي التقليدي إلى ممارسة “الابتلاع الكامل” لمؤسسات الدولة والحكومة معاً، محتكرة أدواتهما السيادية لصالح تمكين أيديولوجي وفئوي ضيق، ومجهضةً لكل ثورات التغيير المنشودة. وبفعل هذا الإصرار الأعمى على الانفراد بالسلطة والقرار، يواجه السودان اليوم أخطر المنعطفات الوجودية في تاريخه الحديث؛ حيث نجحت “سلطة بورتسودان الراهنة” — بوصفها مركزاً جغرافياً بديلًا يعيد إنتاج “البرمجية المعرفية القديمة” ذاتها — في تكريس الأزمة وتجذيرها. فقد عمدت هذه السلطة إلى تغبيش وعي الجماهير، والسعي الدؤوب لتحويل الصراع التقليدي حول السلطة إلى سرطان بنيوي بات يهدد بتفتيت الوجدان المجتمعي، وتمزيق ما تبقى من الخارطة الوطنية.

​1. هجرة الإقصاء: من سياسة المركز إلى ثقافة العقول

​بفعل التجهيل الممنهج والتزييف الوعيي الذي مارسه تنظيم “الإسلام السياسي” وحلفاؤه ضد المواطنين، تجاوزت الذهنية الإقصائية في السودان حدود الخرطوم كحيّز مكاني، ولم تعد مجرد امتياز حصري يمارسه “المركز الجغرافي” ضد “الهامش”. إن الخطورة الكامنة اليوم تكمن في أن الإقصاء قد تحوّل من أداة سلطوية فوقية إلى “برمجة جمعية” وسلوك ثقافي عابر للجغرافيا، استوطن عقول المجموعات السودانية بمختلف مسمياتها الإثنية والمناطقية.

​لقد انتقلت عدوى الاستبعاد من فضاء المشاركة السياسية والوظيفية العاصمة إلى عمق الأقاليم والمجتمعات المحلية نفسها، لينشأ “مركز وهامش” جديدان داخل الدولة و الإقليم ، والولاية ، بل وفي داخل البنية القبلية والعشائرية الواحدة أحياناً؛ وهو ما يسعى اليه تنظيم الاخوان المسلمين عبر محاولاته المستميتة من خلال هذه الحرب لتحويل الصراع من صراع أفقي ضد سلطة المركز، إلى صراعات بينية عمودية ومدمرة داخل القواعد المجتمعية.

​2. جذور الأزمة: تجريف الدولة وتأميم المؤسسات

​إن هذه الأزمة الوجودية تعود في جذرها المعرفي إلى بنية دولة المركز، التي مثّلت عبر حقبها التاريخية المتعاقبة المطبخ البنيوي المسؤول عن إنتاج الذهنية الإقصائية وتعميمها. فقد ورثت نخب ما بعد الاستقلال — والتي تمثلت تاريخياً في نخبة “الأفندية” والتحالفات الطائفية والسياسية في الوسط والشمال النيلي — جهاز الدولة الاستعماري بإرثه البيروقراطي واقتصاده القائم على فلسفة “المخزن والمورد”؛ حيث يُختزل الهامش جغرافياً وبشرياً في كونه خزاناً للموارد الطبيعية ومصدراً للعمالة، لصالح رفاه المركز الجغرافي واستدامته.

​لم يتوقف الأمر عند حدود الاحتكار الاقتصادي؛ بل جرى تسييس هذا الإقصاء وتجذيره عبر المنظومات الحزبية لنخب المركز، بيمينها ويسارها، والتي أخفقت مجتمعة في صياغة مشروع وطني يستوعب التعدد والتنوع كقيمة مضافة. وبلغت هذه الهندسة السياسية ذروتها بنجاح المركز في استزراع “نخب وكيلة” (Proxies) له في الأقاليم؛ نخب تحمل تقاطيع الهامش وملامحه، لكنها مهندسة معرفياً ومصلحياً لتتبنى ذات عقلية الخرطوم الإقصائية في إدارة شؤون مجتمعاتها المحلية ضد الأقليات الداخلية فيها.

​وقد بلغت هذه المنظومة المتوارثة ذروة توغلها الخبيث في عهد نظام “المؤتمر الوطني”؛ حيث قادت سياسات “التمكين” الأيديولوجي الشامل إلى ابتلاع السلطة للحيز العام، وإلغاء الفرز المنهجي والضروري بين “الحكومة” ككيان سياسي متغير وخاضع للتداول، وبين “المؤسسات الوطنية والسيادية” ككيانات ثابتة تمثل وجدان الدولة. هذا التماهي المصنوع عمداً جعل أي محاولة لتغيير الأنظمة في السودان تمر حتماً عبر بوابة التفكيك الهيكلي أو الانهيار الفوضوي الشامل؛ إذ ربطت النخب المسيطرة مصير ومؤسسات الوطن بوجودها الشخصي في سدة الحكم. والخطورة الكبرى اليوم تتجلى في أن هذه العقلية الإقصائية قد تجاوزت جغرافيا الخرطوم لتتحول إلى “فيروس سياسي” عابر للمكان، يعيد إنتاج نفسه وبث سمومه في بورتسودان أو أي بقعة سودانية أخرى، ما لم يتم تفكيك جيناته المعرفية والتأسيس الصارم لمفهوم الدولة المحايدة.

​3. متلازمة التشرذم والقبلية: البديل الملغوم للدولة

​في ظل الانهيار المتسارع لمؤسسات الدولة الناتج عن سياسات التجريف الطويل، وفي ظل غياب حكم القانون والعدالة الناجزة، ارتد المجتمع السوداني غريزياً إلى قاع المنظومة الاجتماعية التقليدية الأولى — وهي القبيلة والروابط الإثنية — بحثاً عن الأمن الوجودي، والحماية الميدانية، والتكافل الاقتصادي في زمن الندرة الشديدة.

​هذا الواقع المأزوم أنتج “متلازمة تشرذم” حادة يصعب السيطرة عليها على المديين القريب والمتوسط؛ لأن القبيلة تحولت عملياً من كيان اجتماعي تكافلي إلى “شبكة أمان وعسكرة بديلة عن الدولة”. وتفاقمت الأزمة بتشظي القبائل نفسها من الداخل، وتآكل سلطة الإدارة الأهلية التاريخية والحكيمة لصالح جيل مسلّح وأمراء حرب محليين؛ مما جعل السلم المجتمعي عصياً على التحقق عبر التسويات السياسية الفوقية التقليدية والصفقات الحزبية المعزولة عن القواعد.

​4. الدويلات المستنسخة: إعادة إنتاج الفشل في مساحات أصغر

​إن المعضلة الكبرى في سيناريوهات الانفصال والتقسيم المطروحة كحلول بديلة داخل السودان تتجسد في أن الإقليم المنفصل، عندما يعجز عن حل أزمته البنيوية الفكرية، يعيد إنتاج ذات الجينات السياسية المأزومة للدولة الأم في مساحة أصغر. إنها ظاهرة “تناذر الخرطوم المصغرة”؛ حيث تعمد النخب المحلية الجديدة، فور استقلالها أو سيطرتها العسكرية على إقليم ما، إلى ممارسة الإقصاء والتهميش عينه ضد الأقليات الداخلية في ذلك الإقليم، مستندة إلى تعبئة قبلية وإثنية حادة، مما يدخل البلاد في متوالية هندسية من التشظي الأميبي والحروب البينية اللانهائية.

​وإذا ما تتبعنا تجربة انفصال جنوب السودان كنموذج تطبيقي، نجد أن الدولة الجديدة قد سقطت سريعاً في ذات الفخ البنيوي، وتحولت إلى كيان مستنسخ من أصله، راضع من ثدي المركزية الإقصائية ذاتها. يثبت هذا بوضوح أن “المركز” لم يعد موقعاً جغرافياً محصوراً في الوسط والشمال النيلي، بل تحول إلى “عقلية وثقافة” في إدارة الثروة والسلطة، تنتقل مع الحكام أينما حلوا، وتُمارس هذه المرة في مساحات جغرافية أصغر وتحت رايات وشعارات محلية جديدة.

​5. خارطة طريق للعلاج: جراحة في الجينات السياسية

​لقد ثبت بالدليل التاريخي القاطع أن الحلول الفوقية أو صفقات المحاصصة المحصورة بين النخب في الغرف المغلقة لم تعد مجدية. ولتفكيك متلازمة القبلية المسلحة وقطع الطريق أمام مسلسل التقسيم والتناسل الأميبي للكيانات، لا بد من إجراء جراحة سياسية وفكرية نافذة تُجرى عبر ثلاثة مسارات متوازية ومتلازمة:

​أولاً: عقد اجتماعي بفدرالية جغرافية حقيقية (تغيير عقلية المركز لا تبديل مكانه): صياغة دستور وطني جامع يؤسس لفدرالية كاملة الصلاحيات، تمنح الأقاليم الحق المطلق في حكم نفسها، وتدير مواردها المحلية، وتحدد خياراتها التنموية؛ وبذلك تنتفي المبررات البنيوية لدعاوى الانفصال والتشظي.

​ثانياً: مواطنة تنموية بديلة لمحاصصة القبائل: عبر التجريم الدستوري والقانوني الصارم لاستخدام الهوية العرقية أو القبلية والجهوية كرافعة سياسية للوصول إلى السلطة، واستبدالها بحياة سياسية مدنية تقوم على أحزاب وتكتلات برامجية (خدمية وتنموية) عابرة للاستقطاب العشائري، ليكون معيار نيل الثقة هو الكفاءة والقدرة على توفير البنى التحتية وتحقيق التنمية المستدامة لجميع قاطني الإقليم دون فرز.

​ثالثاً: الاحتكار الحصري الشامل للسلاح بواسطة الدولة: وذلك عبر تصفية وإنهاء المليشيات والجيوش الموازية، وتأسيس جيش وطني مهني واحد بعقيدة عسكرية موحدة، يذوب فيها الولاء القبلي والحزبي والجهوي، وتخضع بشكل كامل وقاطع للدستور وحكم القانون.

​خاتمة

​إن المخرج التاريخي الوحيد الذي يمنع تآكل الدولة السودانية أو تقسيمها إلى دويلات فاشلة ومستنسخة، يكمن في تفكيك وتغيير بنية وعقلية الحكم بالكامل، مع إعادة بناء مؤسساتها على أسس المواطنة العادلة؛ لتتحول إلى دولة القانون والعدالة الحديثة، الدولة التي يجد فيها المواطن السوداني أمانه الوجودي، وينال حقوقه عبر هويته الوطنية وقوانينها الحامية، لا من خلال “حسبه ونسبه” أو “قبيلته وجغرافيته الصغرى”. إن معركتنا الوطنية الحقيقية هي معركة تحرير العقل السوداني من إرث الإقصاء الخفي والمعلن او المدروس والمقنن تاريخياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!