رأي

السودان بين البقاء والانهيار: نداء قبل السقوط

عبدالعزيز بخات المحامى 

 

عبدالعزيز بخات المحامى 

في تاريخ الأمم لحظات نادرة تتجاوز فيها الأزمات حدود السياسة، وتصبح مسألة وجود ومصير. لحظات لا يعود فيها السؤال متعلقًا بمن ينتصر ومن يُهزم، أو بمن يحكم ومن يعارض، بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يبقى الوطن أصلًا أم يتداعى تحت وطأة الصراع حتى يفقد مقومات بقائه؟

واليوم يقف السودان أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة.

فبعد سنوات من الحرب والدمار والتشظي، لم تعد البلاد تواجه مجرد أزمة سياسية عابرة أو نزاعًا مسلحًا محدودًا، وإنما تواجه خطرًا حقيقيًا يهدد الدولة والمجتمع معًا. خطرًا يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية بصمت، ويعيد تشكيل الواقع بصورة تجعل الكارثة تبدو طبيعية، والمأساة مألوفة، والانهيار جزءًا من المشهد المعتاد.

وهنا تكمن المأساة الأكبر.

إن أخطر ما تفعله الحروب الطويلة ليس عدد القتلى الذين يسقطون، ولا حجم المدن التي تدمرها، بل قدرتها على تطبيع الخراب داخل الوعي الجمعي. فعندما يصبح سماع أخبار الموت حدثًا عاديًا، وعندما يتحول النزوح إلى أسلوب حياة، ويصبح الجوع خبرًا متكررًا لا يثير الدهشة، فإن المجتمع يكون قد دخل مرحلة خطيرة من التآكل الأخلاقي والنفسي، وهي مرحلة قد تكون أكثر فتكًا من الحرب نفسها.

لقد تجاوزت المأساة السودانية منذ وقت طويل حدود المواجهة العسكرية المباشرة. فالحرب لم تعد معركة بين جبهات متقابلة بقدر ما أصبحت معركة ضد مقومات الحياة ذاتها. فالمؤسسات تتآكل، والاقتصاد ينهار، والخدمات الأساسية تتراجع، والبنية الاجتماعية تتعرض لاختبارات قاسية تهدد تماسكها التاريخي.

إن حجم الدمار الذي أصاب السودان لا يقاس فقط بعدد الأبنية المهدمة أو المنشآت المعطلة، وإنما يقاس بما أصاب الإنسان السوداني نفسه من إنهاك وفقدان للأمل واستنزاف للقدرة على الاحتمال.

فالملايين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، ومئات الآلاف فقدوا مصادر رزقهم، وأجيال كاملة تواجه خطر الحرمان من التعليم، فيما يعيش المرضى تحت وطأة أنظمة صحية منهكة، وتكافح الأسر يوميًا من أجل توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وإذا كان الدمار المادي يمكن إعادة بنائه مع مرور الزمن، فإن ما يثير القلق الحقيقي هو حجم الضرر الذي أصاب رأس المال البشري السوداني؛ ذلك المورد الذي لا يمكن لأي دولة أن تنهض من دونه.

فكل طفل يخرج من المدرسة بسبب الحرب يمثل خسارة وطنية تتجاوز حدود أسرته. وكل طبيب أو مهندس أو أكاديمي يغادر البلاد بحثًا عن الأمان أو الاستقرار يمثل نزيفًا جديدًا في جسد الدولة. وكل مزارع يُمنع من الوصول إلى أرضه يعني تراجعًا إضافيًا في قدرة البلاد على تحقيق أمنها الغذائي. وكل شاب يفقد ثقته في المستقبل يمثل مشروع خسارة طويلة الأمد لا يمكن قياس آثارها بالأرقام وحدها.

ومن الناحية القانونية والأخلاقية، فإن استمرار هذه المأساة يضع الجميع أمام مسؤوليات لا يمكن التنصل منها.

فالقانون الدولي الإنساني لم يُوضع ليكون نصوصًا تُستدعى عند الحاجة، بل وُضع لحماية الإنسان في أحلك الظروف. وحماية المدنيين ليست مسألة خاضعة للتقديرات السياسية أو الحسابات العسكرية، وإنما التزام قانوني وأخلاقي مطلق. كما أن الحق في الحياة والكرامة والأمن والغذاء والعلاج والتعليم ليست امتيازات تمنحها الحروب أو تسلبها، وإنما حقوق أصيلة لا يجوز المساس بها.

ولهذا فإن استمرار دائرة العنف وما ينتج عنها من قتل وتشريد وتجويع وتدمير للبنية المدنية لا يمثل فقط مأساة إنسانية، بل يشكل أيضًا تحديًا خطيرًا لكل المنظومة القانونية والأخلاقية التي قامت عليها العلاقات الإنسانية الحديثة.

غير أن الأزمة السودانية لا تتعلق بالحاضر وحده، وإنما بالمستقبل كذلك.

فالدول لا تنهض فوق الركام، ولا تبني اقتصادًا مستدامًا في ظل النزاعات الممتدة، ولا تؤسس للاستقرار في بيئة يغيب عنها القانون وتتراجع فيها الثقة العامة. ولذلك فإن الثمن الحقيقي للحرب لن تدفعه الأجيال الحالية وحدها، بل ستدفعه أجيال قادمة ربما لم تولد بعد.

إن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تتآكل تدريجيًا حين تفشل النخب السياسية والعسكرية في إدراك اللحظة التاريخية التي تستوجب تقديم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة.

وحين ننظر إلى تجارب الشعوب التي خرجت من الحروب الأهلية والصراعات الكبرى، نجد أن القاسم المشترك بينها لم يكن الانتصار العسكري، وإنما القدرة على إنتاج تسويات وطنية شجاعة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتفتح الطريق نحو السلام والاستقرار.

فالسلاح قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع شرعية دائمة.

والقوة قد تمنح نفوذًا عابرًا، لكنها لا تبني مؤسسات مستقرة.

أما السلام الحقيقي فهو وحده القادر على إعادة بناء الثقة، وترميم النسيج الاجتماعي، وإطلاق عملية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام الحقوق والحريات.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات الحماسية ولا إلى توسيع دوائر الاستقطاب والكراهية، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف بحجم الكارثة، وتدرك أن استمرار الحرب لم يعد خيارًا يمكن احتماله.

كما يحتاج إلى أصوات وطنية تضع الإنسان السوداني في مقدمة الأولويات، وتتعامل مع معاناته باعتبارها القضية المركزية التي يجب أن تتقدم على كل الحسابات الأخرى.

ففي نهاية المطاف، لن يحاكم التاريخ الأطراف المتصارعة على حجم ما امتلكته من قوة أو سلاح، بل سيحاكمها على ما فعلته لإنقاذ وطن كان ينهار أمام أعينها.

وأمام هذا المشهد القاتم، يظل الأمل واجبًا وطنيًا لا ترفًا عاطفيًا.

فالشعوب العظيمة لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأزمات فحسب، بل بقدرتها على النهوض بعدها. والسودان، رغم كل ما أصابه من جراح، ما زال يمتلك من الطاقات البشرية والتاريخية والثقافية ما يؤهله لاستعادة عافيته إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة البنادق، بل معركة إنقاذ الدولة، وحماية الإنسان، واستعادة المعنى الذي من أجله قامت الأوطان.

ولهذا فإن الخيار الأخلاقي والوطني الوحيد هو الانحياز للحياة، والانتصار للسلام، والعمل من أجل دولة يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، وتحكمها المؤسسات، وتصان فيها الحقوق، ويصبح التنوع مصدر قوة لا سببًا للصراع.

فالأوطان لا تُدفن عندما تدمرها الحروب، وإنما تُدفن عندما يفقد أبناؤها الإيمان بإمكانية إنقاذها.

وما دام هذا الإيمان حيًا، فإن السودان ما يزال قادرًا على النهوض، وما يزال المستقبل ممكنًا، وما تزال هناك فرصة أخيرة تستحق أن نقاتل من أجلها جميعًا؛ لا بالسلاح، وإنما بالحكمة، والعدالة، والإرادة الوطنية الصادقة.

لأن إنقاذ الوطن، في لحظات كهذه، لا يصبح مجرد خيار سياسي، بل يصبح آخر الواجبات الوطنية وأعظمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!