رأي

تفكيك بنية الدولة القديمة: صراع السيادة والتحول التأسيسي في السودان

سمية النور دهب 

سمية النور دهب 

يمر السودان اليوم بأحد أعقد المنعطفات التاريخية في مسيرته السياسية الحديثة؛ منعطفٌ لا تتوقف أبعاده عند حدود المواجهة العسكرية المباشرة، بل يمتد ليعكس صراعاً وجودياً عميقاً بين إرادتين لا تلتقيان: إرادة الانعتاق وبناء دولة المواطنة المستقلة التي تمثل تطلعات الغالبية العظمى من الشعب السوداني، وإرادة الارتداد والارتهان للأجندات الأيديولوجية والإقليمية التي تسعى بكل قوتها لإبقاء البلاد رهينة لصيغ الحكم البالية والنخب الاحتكارية القديمة. إن القراءة المتأنية للواقع السوداني الراهن تكشف بوضوح أن استمرار الحرب وتصلب المواقف السياسية ليس ناتجاً عن معطيات ميدانية فحسب، بل هو نتاج مباشر للمخطط الممنهج الذي يكبل قرار المؤسسة العسكرية في بورتسودان ويمنعها من التعاطي الإيجابي مع خيارات السلام المستدام.

 ارتهان القرار العسكري والتوظيف الأيديولوجي

يتجلى المأزق الراهن في العجز الظاهر لقيادة الجيش، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عن اتخاذ قرار شجاع وحاسم ينهي معاناة الملايين ويفضي إلى تسوية تاريخية شاملة. هذا العجز لا يعود إلى نقص في المبادرات الدولية والإقليمية التي طُرحت على الطاولة لحقن الدماء، وإنما يرجع بالأساس إلى أن القرار العسكري والسياسي داخل أروقة سلطة الأمر الواقع بات مختطفاً بالكامل من قبل تنظيم الإخوان المسلمين (الحركة الإسلامية) وكتائب الظل التابعة للنظام البائد.

تدرك هذه المجموعات الأيديولوجية تماماً أن أي تسوية سياسية حقيقية تقوم على أسس التحول المدني الديمقراطي، وإبعاد العناصر المتطرفة، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، تعني نهايتها التاريخية وخروجها الأبدي من مشهد التأثير. ولذلك، تمارس هذه القوى ضغوطاً هائلة ومستمرة على قيادة الجيش لمنعها من تقديم أي تنازلات، وتصر على توظيف مؤسسة القوات المسلحة كواجهة شرعية وحيدة لحربها الانتقامية ضد الشعب السوداني، دون أي اكتراث بالكلفة الإنسانية الباهظة أو احتمالات تفتت الدولة.

التناقضات الداخلية وتصدع الجبهة العسكرية

هذا الارتهان التام للأجندة الإخوانية لم يمر دون ثمن داخل المؤسسة العسكرية نفسها؛ حيث يعيش جسد الجيش السوداني اليوم على وقع خلافات عاصفة وانقسامات صامتة بين تيارين واضحين. التيار الأول يمثله الضباط المهنيون الذين يدركون خطورة استمرار النزاع ويرون ضرورة إنقاذ ما تبقى من الدولة والمنظومة العسكرية عبر القبول بتسوية عادلة تحقق الاستقرار. أما التيار الثاني فهو التيار العقائدي الراديكالي المتحكم في مفاصل القرار والإمداد والميدان، والذي يصر على مبدأ القتال حتى النهاية حمايةً لامتيازاته وتاريخه.

هذا التشرذم الداخلي حوّل القيادة الحالية إلى واجهة مكبلة بالخوف من الانقلابات الداخلية، وعاجزة عن فرض سيطرتها الكاملة على الكتائب والمجموعات المسلحة المتحالفة معها والتي باتت تمتلك قرارها الميداني والسياسي المستقل. هذا الوضع يفسر بوضوح التناقض المستمر في الخطاب الرسمي؛ حيث تتبنى القيادة لغة دبلوماسية مرنة أمام الوسطاء الدوليين لامتصاص الضغوط، بينما تنضح المنابر التعبوية على الأرض بلغة تصعيدية متطرفة تدعو لرفض كل مقترحات السلام والهدن الإنسانية، وتلجأ للاستقواء بتدخلات خارجية مشبوهة وعقد تحالفات عسكرية تزيد المشهد تعقيداً.

 محاور الإقليم وحراسة البنية التقليدية

على صعيد التفاعلات الإقليمية، لا يمكن قراءة الأزمة السودانية بمعزل عن أدوار القوى المجاورة والمؤثرة التي تتداخل مصالحها مع طبيعة النظام السياسي في الخرطوم. ويبرز هنا الدور المصري كأحد الفواعل الأساسية المعيقة للتحول الديمقراطي الجذري؛ حيث تميل المقاربة المصرية تاريخياً إلى الحفاظ على البنية التقليدية والمركزية للدولة السودانية، معتبرة أن بقاء الجيش القديم على رأس السلطة هو الضامن الوحيد لحماية أمنها القومي وملفاتها الحيوية، وفي مقدمتها ملف مياه النيل والتحالفات الإقليمية. هذا الارتهان يجعل قرار السلم والحرب متأثراً بحسابات قوى خارجية تستخدم الساحة السودانية لحماية مصالحها الاستراتيجية الخاصة وتثبيت ركائز النظام القديم.

وفي اتجاه موازٍ، تتحرك الدبلوماسية السعودية عبر استراتيجية تتقاطع في أهدافها النهائية مع الرؤية المصرية وإن اختلفت أدواتها وسياقاتها. تسعى الرياض بجدية لصناعة حاضنة سياسية ودبلوماسية جديدة لقيادة الجيش، محاولةً إيجاد صيغة تبعدها ظاهرياً عن التيار الإسلامي الفج، ولكنها تبقيها في الوقت نفسه كركيزة أساسية لما يُسمى “دولة ما بعد الحرب”. هذه المقاربات الإقليمية الفوقية تحاول الالتفاف على توازنات القوى الجديدة على الأرض، والقفز فوق تطلعات الشعوب السودانية عبر فرض تسويات تعيد إنتاج الأزمة وتتجاهل الجذور التاريخية للصراع بين المركز والهامش.

“تحالف السودان التأسيسي” ككتلة تاريخية بديلة

> إن زمن المساومات الفوقية والحلول الجزئية قد ولى، وأن مستقبل السودان يصنعه اليوم الاصطفاف الشعبي الحقيقي الملتزم بالتأسيس الحقيقي للدولة.

أمام هذا التكالب الإقليمي والانسداد السياسي الذي تفرضه قيادة بورتسودان، برزت على السطح حركة وعي واصطفاف شعبي غير مسبوقة تلتف حول **”تحالف السودان التأسيسي”**. يمثل هذا التحالف الكتلة التاريخية الأكبر والأكثر شمولاً في تاريخ السودان الحديث، حيث نجح في توحيد الإرادة الوطنية لبناء دولة مواطنة ديمقراطية مستقلة، قادرة على اتخاذ قرارها السيادي بعيداً عن إملاءات المحاور وأيديولوجيات الماضي.

يضم هذا التحالف العريض بجانب قوات الدعم السريع، الحركة الشعبية لتحرير السودان، والحركات المسلحة المؤمنة بالتغيير الجذري، بالإضافة إلى القوى الأهلية، والزعامات القبلية، والكيانات السياسية والمدنية ذات الثقل الجماهيري الواسع في مختلف أقاليم السودان. إن هذا الاصطفاف يثبت أن الشعب السوداني قد حسم خياره تماماً لصالح تفكيك دولة الامتيازات التاريخية، والانتقال نحو مرحلة التأسيس الجديد القائم على العدالة الاجتماعية والاعتراف بالتعدد والتوزيع العادل للسلطة والثروة، مؤكداً أن كل محاولات إعادة إنتاج النظام البائد لن تجد لها مكاناً في مستقبل السودان الجديد.

كيف ترى انعكاس هذا الاصطفاف الشعبي الواسع على مستقبل التوازن بين المركز والهامش في السودان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!