حوارات

الكيلاني لـ«التنوير»: المبادرة الأمريكية قد تجمد حرب السودان.. لكنها تصطدم بشبكة مصالح عسكرية وسياسية معقدة

التنوير حوار خاص

 

التنويرحوار خاص

مدير مركز دراسات «مرصد الساحل الأفريقي» في باريس يكشف سيناريوهات المرحلة المقبلة ويحذر من هشاشة أي هدنة في ظل تعدد مراكز القرار

في ظل تصاعد الجهود الدولية لإيقاف الحرب في السودان، وطرح واشنطن مبادرة جديدة تهدف إلى الوصول إلى هدنة إنسانية ومسار تفاوضي، أجرت صحيفة «التنوير» حواراً خاصاً مع الأستاذ محمد علي الكيلاني، مدير مركز دراسات «مرصد الساحل الأفريقي» في باريس، تناول فيه فرص نجاح المبادرة الأمريكية، وطبيعة الصراع داخل معسكرات الحرب، ومستقبل العملية السياسية في السودان.

وأكد الكيلاني أن المشهد السوداني يعيش حالة من «التذبذب الحاد» في المواقف والتحالفات، مشيراً إلى أن إدارة الأزمة اتسمت خلال الفترة الماضية بتغيرات متكررة في المواقف السياسية والتفاوضية.

البرهان بين تعدد التحالفات وضبابية الموقف الدولي

وقال الكيلاني إن الفريق أول عبد الفتاح البرهان يحاول إدارة توازنات معقدة بين أطراف إقليمية ودولية مختلفة المصالح، موضحاً أن خطابه السياسي يختلف باختلاف الجهة التي يخاطبها؛ فهو يقدم نفسه للسعودية باعتباره يواجه النفوذ الإماراتي، بينما يظهر أمام مصر باعتباره يخوض مواجهة مرتبطة بالملف الإثيوبي.

وأضاف أن الصورة الدولية تجاه البرهان ما تزال غير مستقرة، مشيراً إلى ما وصفه بوجود تحركات متناقضة بين أطراف مختلفة، تشمل محاولات التقارب مع إسرائيل تحت عنوان مكافحة الإرهاب، وتقارباً مع إيران في سياق التوتر مع الولايات المتحدة، إلى جانب السعي للتواصل مع واشنطن عبر الملف الأمني، وهو ما يحدّ من مستوى الثقة الدولية.

تعدد القوى المسلحة يعمق أزمة القرار داخل معسكر الجيش

وأشار مدير مركز دراسات «مرصد الساحل الأفريقي» إلى أن إدارة الحرب أدت إلى نشوء واقع عسكري شديد التعقيد، نتيجة الاعتماد على تشكيلات متعددة، من بينها الكتائب الإسلامية المسلحة، والقوة المشتركة للحركات المسلحة في دارفور، وتشكيلات عسكرية منشقة من قوات الدعم السريع.

وأوضح أن هذا التعدد خلق شبكة مصالح متداخلة ومتعارضة داخل المعسكر الداعم للجيش، وأصبح أحد أبرز التحديات أمام أي تسوية سياسية مستقبلية.

حكومة كامل إدريس.. صلاحيات محدودة وقرار مركزي

وحول تشكيل الحكومة الحالية، اعتبر الكيلاني أن تعيين الدكتور كامل إدريس رئيساً للوزراء لم يرافقه انتقال حقيقي للسلطات، موضحاً أن الملفات الأكثر تأثيراً، مثل الحرب والاقتصاد والسلام والقضاء، بقيت خارج نطاق صلاحيات الحكومة التنفيذية.

وأضاف أن مجلس السيادة الحالي يمتلك صلاحيات محدودة، بينما يظل القرار الأساسي متمركزاً داخل المؤسسة العسكرية.

تذبذب المبادرات أضعف الموقف التفاوضي

وفي تقييمه لمسار المبادرات السابقة، قال الكيلاني إن موقف البرهان شهد انتقالات متكررة بين المبادرات المختلفة، بدءاً من اتفاق جدة، مروراً بمبادرة «الإيغاد»، ثم الاتحاد الأفريقي، وصولاً إلى مبادرة الرباعية والمبادرة الأمريكية الأخيرة.

وأشار إلى أن قبول المبادرة الأمريكية مع التحفظ على شرط واحد فقط من أصل ستة شروط، بعد رفض سابق لورقة التفاوض، يعكس حالة من التردد وأضعف الموقف التفاوضي.

ثلاثة سيناريوهات أمام المبادرة الأمريكية

وحدد الكيلاني ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار المبادرة الأمريكية:

أولاً: هدنة إنسانية هشة ومحدودة

وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، بحسب تقديره، حيث قد يتم التوصل إلى وقف مؤقت للقتال، لكنه سيظل معرضاً للانهيار بسبب وجود أطراف ترى أن استمرار الحرب يخدم مصالحها السياسية والعسكرية.

ثانياً: تصعيد عسكري جديد

وأوضح أن استمرار التصعيد قد يكون مرتبطاً بتحركات تقوم بها تشكيلات مسلحة موالية للجيش، معتبراً أن القوى الإسلامية المسلحة تسعى للحفاظ على نفوذها ومنع أي تسوية لا تضمن لها دوراً في مستقبل السودان السياسي.

ثالثاً: نجاح المسار التفاوضي

ويرتبط هذا السيناريو، وفق الكيلاني، بقدرة الأطراف العسكرية على الجلوس إلى طاولة واحدة، بمشاركة القوى المدنية، وبرعاية أمريكية ودولية، لكنه يتطلب إرادة سياسية غير متوفرة في الوقت الحالي.

ملف المليشيات.. العقبة الأكبر أمام أي اتفاق

وأكد الكيلاني أن أحد أخطر الملفات التي ستواجه أي عملية سلام هو ملف القوى المسلحة المتعددة الداعمة للجيش، والتي تشمل الحركات المسلحة المرتبطة باتفاق جوبا، والكتائب الإسلامية، والمقاومة الشعبية، ودرع السودان، وتشكيلات شرق السودان.

وقال إن قضية دمج هذه القوات أو حلها ستكون من أكثر الملفات تعقيداً في أي اتفاق سياسي قادم.

واشنطن تريد تجميد الحرب أكثر من حلها الكامل

وفي ختام حديثه لـ«التنوير»، رجّح الكيلاني أن تتمكن المبادرة الأمريكية، تحت ضغط واشنطن والمجتمع الدولي، من فرض هدنة إنسانية محدودة، لكنه شكك في إمكانية الوصول سريعاً إلى اتفاق سياسي شامل ينهي الحرب بشكل دائم.

وأضاف أن الأولوية الأمريكية الحالية، بحسب تقديره، تتمثل في منع تحول السودان إلى بؤرة إقليمية جديدة تهدد أمن البحر الأحمر ومنطقة الساحل الأفريقي، أكثر من كونها سعياً لحل جميع تعقيدات الأزمة السودانية دفعة واحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!