
نجم الدين دريسة
في أبسط تعريفاتها وأكثرها وضوحاً، تقوم الدولة على ثلاثة أركان أساسية: أرض وشعب وسلطات حاكمة تتكامل فيما بينها؛ سلطة تشريعية تضع القوانين وتمثل الإرادة الشعبية، وسلطة تنفيذية تدير شؤون الدولة وتنفذ السياسات العامة، وسلطة قضائية تحفظ العدالة وتصون الحقوق وتضمن سيادة القانون. وهذه ليست مجرد صيغة نظرية في كتب السياسة والدستور، بل هي القاعدة التي قامت عليها الدول الحديثة، والميزان الذي يحفظ استقرارها ويمنع انحرافها.
ومن هنا فإن أي مشروع لتأسيس دولة جديدة لا يمكن أن يبدأ من منتصف الطريق، ولا يمكن أن يكتمل ببناء جانب وإهمال جانب آخر، لأن اختلال أحد أعمدة الدولة يعني بالضرورة اختلال البناء كله. فالدولة التي تُنشئ سلطة تنفيذية قوية، وتترك السلطة التشريعية غائبة أو مؤجلة، تضع بذور أزمة جديدة حتى وإن كانت النوايا المعلنة هي الإصلاح والبناء.
إن السودان اليوم يقف أمام لحظة تأسيس تاريخية لا تحتمل الأخطاء، لأن ما يُبنى الآن سيحدد شكل الدولة لعقود قادمة. فالدستور الانتقالي لعام 2025م وضع إطاراً واضحاً لهياكل الحكم وحدد طبيعة السلطات واختصاصاتها، ولم يترك مسألة التوازن بين مؤسسات الدولة للاجتهاد أو التأجيل. ولذلك فإن الالتزام بروح الدستور لا يكون فقط باعتماد النصوص، وإنما بتحويلها إلى ممارسة حقيقية على أرض الواقع.
إن استمرار غياب السلطة التشريعية أو تأخير قيامها تحت أي ذريعة يمثل خللاً خطيراً في عملية التأسيس، لأن التشريع ليس مرحلة لاحقة يمكن انتظارها بعد اكتمال بناء الدولة، بل هو أحد الأسس التي تُبنى عليها الدولة نفسها. فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة لإصدار القوانين، بل هو الحارس الذي يمنح القرارات العامة شرعيتها، ويراقب أداء السلطة التنفيذية، ويمنع تحول المرحلة الانتقالية إلى مساحة مفتوحة للقرارات غير الخاضعة للرقابة.
صحيح أن الظروف الانتقالية قد تفرض ترتيبات استثنائية، وأن السلطة التنفيذية قد تحتاج إلى أدوات قانونية سريعة لإدارة مرحلة معقدة، لكن الخطر يكمن في أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يصبح المؤقت دائماً، وأن تتحول الضرورة إلى ثقافة حكم. فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الأنظمة القابضة لم تبدأ بشعارات الاستبداد، بل بدأت بخطوات استثنائية قيل إنها مؤقتة، ثم تحولت مع الزمن إلى واقع يصعب تغييره.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة التأسيس هو أن نمتلك دستوراً متقدماً في نصوصه، ثم نقدم للعالم تجربة عملية تناقض أهدافه ومبادئه. فالدستور مهما بلغت قيمته لا يعيش في الأوراق، وإنما يعيش في الممارسة. والقوانين مهما كانت عظمتها لا تصنع دولة إذا لم تحمها مؤسسات تؤمن بها وتطبقها بروحها قبل نصوصها.
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي بثوب جديد، ولا يحتاج إلى بناء دولة تقوم على مركزية القرار وغياب الرقابة. فقد أثبتت التجارب السابقة أن تركيز السلطات في يد جهة واحدة مهما كانت المبررات يؤدي في النهاية إلى إضعاف المؤسسات وتهميش الشعب وفتح الطريق أمام أنظمة لا تسمع إلا صوتها.
إن المجلس التشريعي القومي ليس مطلباً حزبياً ولا قضية تخص تياراً سياسياً بعينه، بل هو استحقاق وطني يتعلق بجوهر الدولة. فهو المؤسسة التي تمنح المواطنين مكانهم الطبيعي في عملية الحكم، وتحولهم من متلقين للقرارات إلى شركاء في صناعتها. وغيابه يعني استمرار فجوة خطيرة بين الدولة والمجتمع.
كما أن الحديث عن الموارد أو الظروف الأمنية لا ينبغي أن يصبح مبرراً دائماً للتأجيل. فالدول التي تمر بمرحلة تأسيس حقيقية تبحث عن الحلول، ولا تجعل الصعوبات سبباً لتعطيل المؤسسات. ويمكن ابتكار آليات مرنة لعمل المجلس التشريعي تتناسب مع الواقع الانتقالي، والاستفادة من التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال المختلفة، لأن جوهر القضية ليس في شكل المؤسسة فقط، بل في وجودها ودورها.
إن بناء السودان الجديد يتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات مستعصية. والتنبيه إلى خطورة غياب السلطة التشريعية ليس محاولة لتعطيل مشروع السلام أو التشكيك في نوايا أحد، بل هو دفاع عن سلامة التأسيس نفسه، لأن الدول التي تبدأ خطواتها الأولى بصورة خاطئة تدفع لاحقاً أثماناً باهظة لإصلاح المسار.
إن ناقوس الخطر الذي يُقرع اليوم ليس اعتراضاً على بناء الدولة، بل هو دعوة لحمايتها من الانحراف قبل وقوعه. فالتأسيس الصحيح يحتاج إلى اكتمال أركانه، وإلى احترام مبدأ الفصل بين السلطات، وإلى إدراك أن قوة الدولة لا تأتي من غياب الرقابة، بل من وجود مؤسسات قوية ومتوازنة.
لقد دفع السودانيون ثمناً غالياً بسبب اختلالات الحكم طوال العقود الماضية، ولا ينبغي أن تكون المرحلة الجديدة نسخة أخرى من الماضي بأسماء مختلفة. فالمطلوب ليس فقط تغيير شكل السلطة، بل تغيير فلسفة الحكم نفسها.
إن السودان الذي نحلم به هو سودان القانون والمؤسسات، سودان لا تخضع فيه الدولة للأفراد، ولا تُدار فيه المرحلة الانتقالية بمنطق الضرورة المفتوحة، بل بمنطق الدستور والحقوق والتوازن.
فالدول لا تُبنى بالنيات وحدها، ولا بالنصوص وحدها، وإنما بالممارسة الصحيحة التي تجعل من القانون واقعاً، ومن المؤسسات ضمانة، ومن الشعب صاحب الحق الأول في تقرير مستقبله.
دريسة




