
د.إخلاص قرنق
ليست كل الحروب تقاس بعدد القتلى أو حجم الدمار، فهناك حروب تقتل شيئاً أكبر من الإنسان والمباني؛ تقتل الروح نفسها. وحرب الخرطوم كانت واحدة من تلك الحروب التي لم تدمر المدن فقط، بل مزقت الضمير الجمعي للسودانيين وأسقطت الأقنعة عن وجوه كثيرة.
لقد كنا نظن أن روابط الجيرة والرحم والقبيلة والوطن أقوى من الحرب، فإذا بنا نكتشف أن الحرب قادرة على تحويل الأخ إلى خصم، والجار إلى متفرج على مأساة جاره، بل وأحياناً إلى شريك في نهبه وتشريده. سقطت شعارات كثيرة، وسقط معها وهم المجتمع المتماسك الذي كنا نفتخر به.
في هذه الحرب، لم تسرق الممتلكات فقط، بل سرقت الثقة. ولم تحرق البيوت وحدها، بل احترقت معها قيم ظلت لقرون تشكل جوهر الشخصية السودانية؛ قيم النفير، والنجدة، والشهامة، والكرم، وحسن الجوار.
كم هو مؤلم أن يكتشف السوداني أن الخوف لم يعد يأتي فقط من رصاص المتحاربين، بل من خيانة القريب، ومن غدر من كان يظنه سنداً وأخاً وشريكاً في الوطن.
لقد كشفت الحرب هشاشة العلاقات الاجتماعية التي كنا نظنها راسخة. وكشفت أيضاً حجم الكراهية الكامنة، وخطورة الخطاب العنصري والجهوي الذي ظل يتغذى في الظل حتى وجد في الحرب بيئة مناسبة للظهور والانفجار.
إن أخطر ما ستتركه هذه الحرب ليس الخراب المادي، فالمباني يمكن إعادة تشييدها، والطرق يمكن إصلاحها، لكن كيف يمكن إعادة بناء طفل شاهد والده يقتل؟ وكيف يمكن إعادة الطمأنينة لأم فقدت أبناءها؟ وكيف يمكن أن نطلب من إنسان نهبت داره وشرد أهله أن ينسى بسهولة؟
إننا أمام كارثة اجتماعية ونفسية ستستمر لعقود طويلة.
سيولد من رحم هذه الحرب جيل جديد يحمل ندوباً عميقة؛ جيل تربى على أصوات المدافع بدلاً من أصوات المعلمين، وحفظ أسماء البنادق أكثر مما حفظ أسماء المدن. جيل رأى الخيانة قبل أن يتعلم معنى الثقة، وعرف الكراهية قبل أن يتذوق معنى الوطن.
وهذا الجيل، إن ترك دون عدالة ومصالحة حقيقية، قد يتحول إلى جيل مثقل بالغضب والرغبة في الانتقام، جيل ينظر إلى الآخر بريبة وخوف، ويعيد إنتاج دوائر العنف من جديد.
لقد تغير السودان.
لن يعود ذلك البلد الذي كانت أبوابه مفتوحة للجميع، ولا ذلك المجتمع الذي كان يتباهى بطيبة أهله وبساطة ناسه. فالحرب حفرت جروحاً عميقة في الذاكرة الجماعية، وأوجدت شروخاً بين المكونات الاجتماعية سيكون من الصعب تجاوزها.
لقد سقطت الأقنعة، وانكشفت النفوس على حقيقتها.
عرفنا من وقف مع الناس ومن استثمر في مأساتهم، من فتح بيته للنازحين ومن أغلق قلبه قبل بابه، من بقي وفياً لقيم الإنسانية ومن باع ضميره بثمن بخس.
إن الحروب لا تصنع الأبطال فقط، بل تصنع أيضاً الانتهازيين وتجار الدم ومروجي الكراهية.
والحقيقة المؤلمة أن السودان بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها.
لن نعود كما كنا من قبل…
سنحمل معنا ذاكرة مثقلة بالخذلان، وصوراً لن تمحى من العقول، وأسماءً لن تنساها القلوب.
لكن يبقى السؤال الكبير:
هل سنسمح لهذه الحرب بأن تحولنا إلى أمة تعيش على الكراهية والانتقام؟ أم سنمتلك الشجاعة لنواجه الحقيقة، ونعترف بجرائمنا الاجتماعية قبل السياسية، ونعيد بناء الإنسان السوداني على أسس جديدة من العدالة والصدق والمواطنة؟
إن إعادة إعمار السودان لا تبدأ من الأسمنت والحديد، بل تبدأ من ترميم ما تهدم داخل النفوس.
فالأوطان لا تموت عندما تسقط عواصمها، وإنما تموت عندما يفقد أبناؤها القدرة على الثقة ببعضهم البعض.
وحرب الخرطوم، بكل مآسيها، كانت حرباً كشفت لنا حقيقة موجعة:
أن الخراب الحقيقي لم يكن في الشوارع فقط… بل في القلوب أيضاً
لقد انتهت مرحلة السذاجة الوطنية، وانتهى زمن الأوهام الجميلة. خرج السودان من هذه الحرب جريحاً، لكنه خرج أيضاً وهو يعرف وجوه أصدقائه ووجوه خائنيه. وما بعد حرب الخرطوم لن يشبه ما قبلها أبداً.




