
نجم الدين دريسة
الدول العظيمة تولد من الكفاءة والشجاعة، لا من تسويات المحاصصة وإرضاء الجميع على الدوام.
هناك لحظات فارقة في حياة الأمم يصبح فيها الصمت نوعاً من المشاركة في الخطأ، ويغدو النقد واجباً أخلاقياً لا ترفاً فكرياً. ومن هذا المنطلق فإن أي حديث عن تجربة تحالف السودان التأسيسي وحكومة السلام الانتقالية ينبغي أن ينطلق من الحرص الكامل على نجاح مشروع التغيير، لا من الرغبة في النيل منه، لأن المشروعات التاريخية لا تحتاج إلى المصفقين بقدر حاجتها إلى العقول التي تراقب مسارها، وتدق ناقوس الخطر كلما بدا أن البوصلة تنحرف عن الاتجاه الذي خرجت من أجله الجماهير. لقد ظللت، على امتداد أكثر من عام، أكتب عن مواطن القوة والضعف في هذه التجربة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن العقل النقدي هو الضامن الحقيقي لاستمرار أي مشروع إصلاحي، بينما لا يصنع التمجيد سوى بيئات مغلقة تنتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى إعادة إنتاج الطغيان الذي خرج الناس لإسقاطه.
لقد استطاع تحالف السودان التأسيسي أن يحقق إنجازاً فكرياً وسياسياً يصعب إنكاره أو التقليل من شأنه. ولعل أعظم ما أنجزه أنه لم يتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها أزمة أشخاص أو حكومات، وإنما باعتبارها أزمة بنية دولة مأزومة منذ الاستقلال. ولهذا جاءت وثائقه المؤسسة، وفي مقدمتها الدستور الانتقالي والوثيقة السياسية والمبادئ فوق الدستورية، لتقدم معالجة نظرية ومفاهيمية غير مسبوقة، انتقلت بالنقاش من إدارة الصراع إلى إعادة تأسيس الدولة نفسها. هذه الوثائق لم تكن مجرد نصوص قانونية أو بيانات سياسية، وإنما كانت محاولة جادة لإعادة تعريف الدولة السودانية، وإعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وبين الحقوق والواجبات، وبين المواطنة والهوية. وهذا، في تقديري، يمثل أكبر اختراق فكري عرفته الحياة السياسية السودانية الحديثة.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الأفكار العظيمة لا تكفي وحدها لصناعة الدول. فما بين النصوص الرفيعة والواقع العملي مساحة شاسعة تختبر فيها صدقية المشاريع الكبرى. فكم من دساتير كتبت بلغة ملهمة ثم هزمتها الممارسة اليومية، وكم من شعارات رفعت باسم التغيير ثم انتهت إلى إعادة إنتاج ما كانت تدعي محاربته. وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة الراهنة، لأن التحدي الحقيقي لم يعد متعلقاً بجودة الرؤية النظرية، وإنما بقدرة القيادة السياسية على ترجمة تلك الرؤية إلى مؤسسات وسياسات وقرارات تنتمي إلى روح الدولة الجديدة، لا إلى ميراث الدولة القديمة.
ومن هذا المنطلق فإن القفز بعدد وزارات حكومة السلام الانتقالية من ست عشرة وزارة إلى ست وعشرين وزارة لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعديل إداري محدود، بل هو قرار يحمل دلالات سياسية وفكرية عميقة. فالدولة التي لا تزال في طور التكوين، والتي تواجه تحديات مالية وإدارية وأمنية هائلة، تحتاج إلى حكومة رشيقة ومركزة، لا إلى جهاز تنفيذي متضخم. فالحكومات الانتقالية الناجحة في العالم لم تكن تقاس بعدد وزاراتها، وإنما بسرعة قراراتها، ووضوح مسؤولياتها، وانخفاض كلفة إدارتها، وقدرتها على تعبئة الموارد نحو أولويات البناء لا نحو تضخم الجهاز البيروقراطي.
ومن الصعب إقناع أي مراقب بأن عشر وزارات إضافية جاءت استجابة لحاجة موضوعية ملحة، لأن طبيعة المرحلة لا تفرض هذا التوسع. ولذلك يبدو التفسير الأكثر منطقية أن هذا التضخم يرتبط باعتبارات المحاصصة السياسية، ومحاولة استيعاب مختلف مكونات التحالف وفق حسابات تنظيمية واجتماعية ومناطقية. وربما تبدو هذه المقاربة مغرية في لحظة التأسيس، لكنها تحمل في داخلها بذور أزمة مستقبلية، لأنها تنقل المشروع، ولو بصورة تدريجية، من منطق بناء الدولة إلى منطق توزيع السلطة.
إن فكرة إرضاء الجميع تبدو إنسانية في ظاهرها، لكنها سياسياً من أكثر الأفكار استحالة. فلا توجد دولة في التاريخ استطاعت أن ترضي كل القوى، وكل الأقاليم، وكل التنظيمات، وكل الطموحات الفردية والجماعية في وقت واحد. وما إن تصبح المحاصصة معياراً لصناعة القرار حتى تتراجع الكفاءة تلقائياً، لأن المنصب يتحول من تكليف لخدمة المشروع إلى استحقاق تفاوضي بين المكونات. وهنا يبدأ المشروع في فقدان روحه شيئاً فشيئاً، حتى يجد نفسه يسير في الطريق ذاته الذي كان ينتقده.
إن الدولة الحديثة لا تبنى بمنطق الغنائم، وإنما بمنطق المؤسسات. والوزارة ليست جائزة ترضية، ولا مكافأة سياسية، ولا تعويضاً عن غياب النفوذ، وإنما أداة تنفيذية لإدارة ملفات معقدة تحتاج إلى الخبرة والكفاءة والقدرة على الإنجاز. وكل توسع غير مدروس في الجهاز التنفيذي يعني مزيداً من الإنفاق الإداري، ومزيداً من التشابك البيروقراطي، ومزيداً من بطء القرار، وهي كلها مؤشرات تتناقض مع فلسفة الدولة الرشيقة التي يحتاجها السودان في هذه المرحلة الدقيقة.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا النقد باعتباره اعتراضاً على الأشخاص أو تشكيكاً في نوايا أحد، بل هو دفاع عن الفكرة نفسها. فالمشروعات التاريخية لا تفشل غالباً بسبب خصومها، وإنما بسبب أخطائها الداخلية حين تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة. وإذا كان تحالف السودان التأسيسي قد دعا إلى قطيعة مع الدولة القديمة، فإن أول اختبار حقيقي لهذه القطيعة هو ألا يعيد إنتاج أدواتها في إدارة السلطة. فالثورات لا تقاس بما تقوله عن الماضي، وإنما بما تفعله في الحاضر.
ولا تزال الفرصة قائمة لتصحيح المسار، لأن التجربة ما زالت في بواكيرها، ولم تتجذر بعد بصورة تجعل مراجعتها مستحيلة. بل إن قوة أي مشروع سياسي تقاس بقدرته على مراجعة نفسه قبل أن يفرض الواقع عليه تلك المراجعة. فليس عيباً أن تخطئ القيادات، لكن العيب الحقيقي أن تعتقد أنها لا تخطئ، أو أن تعتبر النقد خصومة، بينما هو في حقيقته أعلى درجات الولاء للمشروع.
إن أملي في تحالف السودان التأسيسي لم يتراجع، بل ربما ازداد، لأنه لا يزال يمتلك الرؤية الفكرية الأكثر اكتمالاً، والقاعدة الجماهيرية الأوسع، والمشروع السياسي الأكثر جرأة في معالجة جذور الأزمة السودانية. ولهذا السبب تحديداً يصبح النقد ضرورة، لأن قيمة المشروع تفرض مستوى أعلى من التوقعات، وتجعل أي انحراف، مهما بدا صغيراً، يستحق التنبيه إليه مبكراً قبل أن يتحول إلى نهج دائم.
وسأظل مؤمناً بأن الدول لا تبنى بالتصفيق، وإنما بالمراجعة المستمرة، وأن القيادة التي تستمع إلى النقد هي الأقدر على البقاء، بينما القيادة التي تحيط نفسها بالمادحين تفقد تدريجياً قدرتها على رؤية أخطائها. فالعقل النقدي هو الذي يبني المؤسسات، وهو الذي يحمي الثورات من نفسها، وهو الذي يمنع مشروعات التغيير من التحول إلى نسخ جديدة من الأنظمة التي جاءت لإسقاطها. أما التمجيد، مهما كانت نواياه، فلا يبني دولة، بل يخلق طواغيت، ويمنح الأخطاء حصانة لا تستحقها، ويؤجل لحظة التصحيح حتى تصبح كلفتها أكبر من قدرة الأوطان على الاحتمال.



