رأي

الإخوانُ المسلمونَ في السودانِ: بينَ شعاراتِ السَّلامِ وحقائقِ الحربِ

هشام محمد شريف

 

هشام محمد شريف 

مُنذُ اندلاعِ الحربِ في السودانِ في أبريلَ 2023، تَتَعاقَبُ المبادراتُ الدَّوليةُ والإقليميةُ كَسَرابٍ في صحراءَ، كُلَّما اِقتربَ الظَّمآنُ مِنْها تَلاشَتْ. وفي خلفِيَّةِ هذا المَشهدِ الدَّامي، يَبرُزُ سُؤالٌ مُلِحٌّ:

 هلْ جماعةُ الإخوانِ المسلمينَ في السودانِ جادَّةٌ في سلامٍ حقيقيٍّ، أَمْ أنَّها تَتَّخِذُ مِنَ التفاوضِ وَرقةً لِلتَّسويفِ، وَمِنَ الحربِ جِسراً لِلعودةِ إلى السُّلطةِ؟ الوثائقُ والتَّقاريرُ تُجيبُ:

 إنَّ الإخوانَ يُلتفِتونَ على كُلِّ معاهدةٍ، ويُعَطِّلُونَ كُلَّ هُدنةٍ، مُستَغلِّينَ نُفُوذَهُم في الجيشِ لِإِطالَةِ أَمَدِ الصِّراعِ، حتَّى لَوْ كانَ الثَّمَنُ دَمَاءَ السُّودانيِّينَ ومَصيرَ أَرضِهِم.

أوَّلاً: جِدَّةُ.. اِتفاقيَّاتٌ بِلا رُوحٍ

بَعدَ أَسابيعَ مِنَ اِندلاعِ المعارِكِ في الخرطومِ، تَوَلَّتِ الولاياتُ المُتَّحِدَةُ والمَمْلَكَةُ العربيَّةُ السُّعوديَّةُ رِعايَةَ حِوارٍ غَيرِ مُباشَرٍ بينَ الجيشِ وقُوَّاتِ الدَّعمِ السَّريعِ في جِدَّة، وأَفضَتْ هذِهِ المُحادَثاتُ إلى تَوقيعِ وثيقَتَينِ تَتَعَلَّقانِ بِحِمايةِ المدنيِّينَ. لَكِنَّ هذِهِ الاتِّفاقيَّاتِ، مِثلَ سابِقاتِها، بَقِيَتْ حِبْراً على وَرَقٍ.

فَبينَما كانَ العالَمُ يَترقَّبُ خَطواتٍ جادَّةً نَحوَ السَّلامِ، كانتْ قياداتُ الجيشِ – التي يَتَحَكَّمُ فيها نُفُوذُ الإخوانِ – تَعتَمِدُ التَّسويفَ وتُعِيدُ تَموضُعَ قُوَّاتِها مَيدانِيَّاً، وكأَنَّ الاتِّفاقَ لم يَكنْ سِوَى “مُناوَرةٍ” لِكَسْبِ الوَقتِ.

ثانياً: المَنَامَةُ.. اِتفاقٌ يُغيظُ الإخوانَ

في 20 يَنايِرَ 2024، وُقِّعَ اتِّفاقُ المَنَامَةِ بينَ الجيشِ والدَّعمِ السَّريعِ، كَامتِدادٍ لِاتِّفاقِ جِدَّةَ، وتَضَمَّنَ 22 بَنداً، مِنها تَكْوينُ جَيشٍ وَطَنِيٍّ مَوَحَّدٍ.

لَكِنَّ هذَا الاتِّفاقَ أَثارَ غَضَبَ الإخوانِ وأنصارِهِم، وَاِنطَلَقَتْ حَملاتُ انتِقادٍ واسِعةٌ ضِدَّهُ. فالإخوانُ، الذي يَرونَ في استِمرارِ الحربِ “جِسراً لِلعودةِ إلى السُّلطةِ”، اعتَبَروا أيَّ اتِّفاقِ سَلامٍ تَهديداً لِوُجودِهِم السِّياسيِّ، بَلْ نِهايَةً لِمَشروعِهِم الَّذي حَكَمَ السودانَ ثَلاثينَ عَاماً.

وهَكَذا، مِثلَما ماتَ اتِّفاقُ جِدَّةَ، أُجهِضَ اتِّفاقُ المَنَامَةِ قَبلَ أنْ يَرى النُّورَ، لِيَظَلَّ حَبيسَ الأَدراجِ.

ثالثاً: جِنِيفُ.. الغِيابُ تَحدِّيَاً

في مُنتَصَفِ أغُسطُس 2024، دَعَتِ الولاياتُ المُتَّحِدَةُ إلى مُفاوَضاتِ جِنِيفَ، في مُحاوَلةٍ جَديدةٍ لِإيقافِ الحربِ. لَكِنَّ الحُكومَةَ السودانيَّةَ – التي يُسيطِرُ عليها نُفُوذُ الإخوانِ – قَرَّرَت عَدَمَ المُشارَكَةِ، مُتَمَسِّكَةً بِإعلانِ جِدَّةَ كَمَنْبَرٍ وَحيدٍ لِلمُفاوَضاتِ.

وفي تَصريحٍ ناطِقٍ، اتَّهَمَ رئيسُ وَفدِ الحُكومَةِ السودانيَّةِ واشِنطَنَ بِمُحاوَلةِ التَّشويشِ على اتِّفاقِ جِدَّةَ.

فبينَما كانَ المُرَاقِبونَ يَتَحَدَّثونَ عن “ثَلاثِ مَخاوِفَ قدْ تُعِيقُ مُفاوَضاتِ جِنِيفَ، مِنها مُحاوَلاتُ تَنظيمِ الإخوانِ الرَّامِيَةُ لِإفشالِ أيِّ حَلٍّ سِلمِيٍّ”، كانَ الإخوانُ يَضرِبُونَ مَوعِداً جَديداً في رَفْضِ السَّلامِ، مُؤَكِّدينَ أنَّ “القَبولَ بالسَّلامِ يعني نِهايَتَهُم السِّياسيَّةَ والقانونيَّةَ”.

رابعاً: الـهُدنةُ المَطروحَةُ.. وَعدٌ وَخُلفٌ

في سِتَّةِ نُوفِمْبِرَ 2025، أَعلَنَت قُوَّاتُ الدَّعمِ السَّريعِ مُوافَقَتَها على الهُدْنَةِ الَّتي دَعَتْ إليها المجموعةُ الرُّباعيَّةُ (الولاياتُ المتَّحِدَةُ، الإماراتُ، السُّعوديَّةُ، مِصرُ). لَكِنَّ الحُكومَةَ السودانيَّةَ رَدَّتْ بِرُؤْيَتِها الرَّافِضَةِ. وفي الرَّابِعِ مِن نُوفِمْبِرَ 2025، أَكَّدَ كَبيرُ مُستَشاري الرَّئيسِ الأَميركِيِّ لِشُؤونِ الشَّرقِ الأَوسَطِ “مَسْعَد بُولس” أنَّ الطَّرفَينِ وافَقا “مَبْدَئِيَّاً” على هُدْنَةٍ لِثَلاثَةِ أَشهُرٍ. لَكِنَّ المَنصَّاتِ الإعلاميَّةَ المَحسوبَةَ على الإخوانِ بادَرَتْ إلَى رَفْضِ أيِّ حَديثٍ عَنْ هُدْنَةٍ، وَوَجَّهَتْ تَهديداتٍ صَريحَةً لِقائِدِ الجيشِ عَبدِ الفَتَّاحِ البُرهانِ، حَيثُ قالَ القَيادِيُّ في الإخوانِ “مُحَمَّد السَّرّ مُساعِد” في مَنْشورٍ: “إنْ يُرِدْ أنْ يَكتُبَ البُرهانُ نِهايَتَهُ المَحتومَةَ فَلْيُوَقِّعْ”.

وهُنا يَتَجَلَّى المَشهَدُ بِأَكْمَلِهِ: الإخوانُ يُمْلُونَ رَفْضَ الهُدْنَةِ، وَيُهَدِّدُونَ قائِدَ الجيشِ نَفسَهُ إذا ما اِستَجابَ لِلسَّلامِ، مُؤَكِّدِينَ أنَّ “الحربَ هيَ ‘جِسرُ العَودةِ’ إلى السُّلطةِ الَّتي فَقَدُوها بِثَورَةِ دِيسَمْبِرَ 2019”.

خامساً: شَمالُ كُردفانَ.. تَحدِّي الهُدْنَةِ بِالرَّصاصِ

في خِضَمِّ هذِهِ المُفاوَضاتِ والهُدَنِ المَطروحَةِ، كانَ العالَمُ يَتَحَدَّثُ عَنْ تَجْنِيبِ مَدينَةِ الأُبَيِّض – عاصِمَةِ شَمالِ كُردفانَ – وِيلَةَ المعارِكِ، تَجَنُّباً لِكارِثةٍ إنسانيَّةٍ أُخرى تَنضافُ إلَى كارِثَةِ الفاشِرِ.

لَكِنَّ الجيشَ، المُنقادَ بِخَيطِ الإخوانِ، أَعلَنَ في 15 نُوفِمْبِرَ 2025 السَّيطَرَةَ على مَنطَقَتَينِ جَديدَتَينِ في وِلايَةِ شَمالِ كُردفانَ، ثُمَّ في 18 نُوفِمْبِرَ، أَعلَنَ تَقَدُماً نَوعِيَّاً في جَميعِ مَحاوِرِ القِتالِ بِإِقليمِ كُردفانَ، وَدَمَّرَ قُوَّاتٍ لِلدَّعمِ السَّريعِ قُربَ مَدينَتَيِ الأُبَيِّضِ وبارا. وهذَا التَّقَدُّمُ العَسكريُّ، الَّذي تَمَّ في تَوقيتٍ حَسَّاسٍ جِدَّاً، يَحمِلُ دَلالَةً واضِحَةً:

فَتحُ جَبْهَةٍ جَديدةٍ في شَمالِ كُردفانَ، بالتَّزامُنِ معَ مُحادَثاتِ الهُدْنَةِ، لَيسَ إلاَّ تَحَدِّياً سَافِراً لِلرَّغبَةِ الدَّوليَّةِ في تَجْنِيبِ الأُبَيِّضِ وِيلَةَ القِتالِ، وتَأكيداً عَلَى أنَّ الإخوانَ لا يُرِيدُونَ لِلسَّلامِ طَريقاً، بَلْ يُرِيدُونَ إِطالَةَ أَمَدِ الصِّراعِ لِيَستَمرَّ جِسرُ عَودَتِهِم مَفتوحاً.

نُفُوذُ الإخوانِ.. العَاملُ الخَفِيُّ في كُلِّ فَشَلٍ

لَيسَ مِنَ المُصادَفَةِ أنْ تَفشَلَ كُلُّ المُبادراتِ، وتُختَرَقَ كُلُّ الهُدَنِ. فَالتَّقاريرُ تُشيرُ إلَى أنَّ نُفُوذَ الإخوانِ وهَيمَنَتَهُم على قَراراتِ الجيشِ هُوَ “عامِلٌ حاسِمٌ في إِطالَةِ أَمَدِ الصِّراعِ”. وقدْ أَعلَنَتِ الولاياتُ المُتَّحِدَةُ – عُضْوَ المَجموعَةِ الرُّباعيَّةِ – بِوُضوحٍ أنَّ مُشارَكَةَ الإخوانِ في مُستَقبَلِ السودانِ “خَطٌّ أَحْمَرُ”، بَلْ نَظَرَ مَعهَدُ واشِنطَنَ إلَى الجماعةِ بِاعْتِبارِها “عائِقاً رَئيسِيَّاً أَمامَ السَّلامِ والاستِقرارِ”. وَفْقاً لِمُحَلِّلينَ، فَإنَّ “التَّدَخُّلَ الخَفِيَّ لِتَنظيمِ الإخوانِ في اختِطافِ قَراراتِ الجيشِ… عُنوانٌ بارِزٌ وراءَ كُلِّ الإخفاقاتِ السَّابِقَةِ الَّتي صاحَبَتْ تاريخَ المُبادراتِ الدَّوليَّةِ والإقليميَّةِ لِإنهاءِ النِّزاعِ في السودانِ”.

فالإخوانُ، الَّذينَ أَشعَلوا الحربَ بِغَرَضِ “العَودةِ إلى السُّلطةِ مَحمُولاً على أَفواهِ البَنادِقِ والمَدافِعِ الثَّقيلةِ”, يُدرِكونَ أنَّ السَّلامَ يَعني نِهايَتَهُم، لِذا يُقاتِلونَ بِكُلِّ ما أُوتُوا مِنْ قُوَّةٍ ضِدَّهُ، مُستَخدِمِينَ الجيشَ وَرَقَةً، والدماءَ وَسيلَةً، والأرضَ رَهينَةً.

إِنَّ جَماعَةَ الإخوانِ المُسلِمينَ في السودانِ، بِتَمَسُّكِها بِخِيارِ الحربِ ورَفْضِها المُستَمِرَّ لِكُلِّ المُبادراتِ – مِنْ جِدَّةَ إلَى المَنَامَةِ إلَى جِنِيفَ، وَمِنْ خِلالِ تَوسيعِ عَمَليَّاتِها في شَمالِ كُردفانَ رَغْمَ الدَّعَواتِ بِتَجْنِيبِ الأُبَيِّضِ – تُقدِّمُ الدَّليلَ تِلْوَ الدَّليلِ عَلَى أنَّها لَيسَتْ جادَّةً في سَلامٍ حَقيقيٍّ، بَلْ إنَّها تُلتفِتُ على كُلِّ معاهَدَةٍ، وتَختَرِقُ كُلَّ هُدْنَةٍ، مُصِرَّةً عَلَى اِستِمرارِ نَزْفِ السودانِ، آمِلَةً أنْ تَخرُجَ مِنْ رَحِمِ الدَّمَارِ مَرَّةً أُخرى إلى سُدَّةِ الحُكْمِ. لكنَّ التَّاريخَ يَشْهَدُ، والشَّعبَ يَتَذَكَّرُ:

لا سَلامَ مَعَ مَنْ يَتَاجِرُ بِالحربِ، ولا عَودَةَ لِمَنْ ظَنَّ أنَّ الدِّماءَ تَمْهَدُ طَريقَهُ إلى العَرشِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!