رأي

حين يدفع المدنيون ثمن المعارك: مأساة قرية شرشار ومناطق كردفان

سليمان عبدالمجيد ود الشيخ

 

سليمان عبدالمجيد ود الشيخ

​شكلت التطورات الميدانية الأخيرة في إقليم كردفان تحولاً نوعياً في مسرح العمليات، ومع تقدم الجيش وكتائبه الإرهابية الجهادية الإسلامية وسيطرتهم على المناطق التي تنطوي وتمشي نحو المناطق المسيطر عليها من قبل حكومة التأسيس، سقطت الضمانات الأساسية لحماية المدنيين. ولم تقف التبعات عند حدود التغير في موازين القوى العسكرية، بل تعدتها إلى تحول المناطق الآمنة والمأهولة بالسكان إلى مسرح للمداهمات والانتهاكات المباشرة والعمليات العسكرية الدامية التي تستوي فيها حياة الناس بلا حماية ولا رادع.

​في تطور ميداني يعكس مدى استهتار الجيش وكتائبه الإرهابية بحياة المدنيين، شهدت قرية شرشار بولاية شمال كردفان مجزرة بشرية مروعة إثر قصف جوي غاشم استهدف منازل المواطنين العزل والأعيان المدنية. وقد أسفر هذا القصف عن سقوط العشرات ما بين شهيد وجريح من المدنيين، وغالبيتهم العظمى من النساء والأطفال والمسنين، في انتهاك صارخ لكل المعايير الأخلاقية والدينية وقواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما يعكس النهج المدمّر لهذه القوات في استهداف القرى الآمنة وترويع أهلها دون هوادة.

​إن أشد ما يدمي القلب في هذه الأزمة هو تحويل المواطن الأعزل إلى هدف عسكري لمجرد وجوده جغرافياً تحت سلطة أمر واقع أو في مناطق تقترب من خطوط المواجهة. فقد تعرض أهالي القرى والبلدات التي دخلها الجيش وكتائبه الإرهابية لاتهامات جائرة بالتعاون والتخابر، وهي ذرائع مفضوحة طالما تُستخدم لتبرير التصفية والبطش والانتقام الجماعي خارج إطار أي قانون أو عُرف.

​وقد واجه المدنيون جراء ذلك ممارسات قاسية ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية؛ إذ شهدت المنطقة عمليات تصفية جسدية وقتل عمد أودت بحياة العشرات من المدنيين بطرق تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية، ودون أي اعتبار للأنظمة والقوانين الدولية التي تحمي النازحين والعزل أثناء الحروب. وإلى جانب القتل، عمدت هذه القوات إلى التهجير القسري عبر إجبار العائلات على مغادرة منازلها وقراها تحت تهديد السلاح والقصف، مما اضطر آلاف النساء والأطفال للجوء إلى الصحاري والمناطق المفتوحة دون غذاء أو دواء أو مأوى، لتصبح رحلة الفرار نفسها خطراً مميتاً يهدد حياتهم في كل لحظة. ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل الاستباحة ونهب الممتلكات؛ حيث تعرضت الأسواق والمنازل والمرافق الخدمية لسلسلة من عمليات النهب الواسعة من قبل هذه القوات، مما أفرغ هذه المناطق من مقومات الحياة الأساسية وجعل الاستقرار فيها أمراً مستحيلاً.

​إن ما شهدته مناطق كردفان وقرية شرشار يمثل خرقاً صريحاً لاتفاقيات جنيف والأعراف الدولية التي تحظر استهداف المدنيين والتهجير القسري للسكان والتنكيل بالمواطنين بناءً على اتهامات كيدية. إن القصف العشوائي والممارسات العدوانية المستمرة التي ترتكبها المنظومة العسكرية وجيش الحركة الإسلامية وكتائبه الإرهابية بحق الشعوب السودانية تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وإن الصمت الدولي وإغلاق العينين إزاء هذه الانتهاكات المستمرة يعد وصمة عار على جبين الإنسانية ومؤشراً خطيراً على غياب الضمانات الأساسية لحياة الأبرياء.

​إن معالم الجريمة التي شهدتها مناطق كردفان وقرية شرشار لا تمحوها الأيام، فالجراح التي خلفها القتل والتهجير القسري تمس النسيج الاجتماعي السوداني في عمقه وتترك ندوباً لا تنسى في ذاكرة الأجيال. وإن إنقاذ ما تبقى من هذه المجتمعات ووقف نزيف الدم يتطلب بشكل عاجل إيصال المساعدات الإنسانية الفورية للنازحين والفارين الذين تقطعت بهم السبل في العراء جراء بطش الجيش وكتائبه الإرهابية، إلى جانب ضرورة التنديد الصريح بكل الانتهاكات التي تطال المدنيين العزل وتكثيف التوثيق الحقوقي الدولي لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب والمحاسبة عاجلاً أو آجلاً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!