رأي

السودان بين التبعية والاستقلال… معركة استعادة القرار الوطني

محمد تاج الدين الحلو 

 

محمد تاج الدين الحلو 

الحرب ليست الخيار الأمثل، ولن تكون يومًا طريقًا لبناء وطن. الذين يتقلدون السلطة ويعتقدون أنهم يدافعون عن السودان، عليهم أن يسألوا أنفسهم: من المستفيد من استمرار هذه الحرب؟ لأن ما يحدث اليوم لا يخدم السودان، وإنما يخدم دولًا بعينها ظلت تنهب موارده، وتعمل على إدامة الصراع بين أبناء الوطن حتى يبقى السودان ضعيفًا، عاجزًا عن امتلاك قراره وثرواته.

إن التغيير الذي ننشده ليس تغيير أشخاص، وإنما تغيير مشروع كامل، هدفه أن يستقل السودان بقراره وموارده، بعيدًا عن هيمنة الدول التي ظلت لعقود ترسم مستقبل السودان بما يخدم مصالحها، وتدعم الحكومات والانقلابات، وتغذي التناقضات بين مكونات الشعب السوداني حتى لا تقوم لهذا الوطن قائمة.

لسنا ضد الشعوب، ولسنا ضد أي دولة، ولكننا ضد الوصاية، وضد أن يبقى السودان تابعًا لغيره. نريد وطنًا يسع الجميع، يقيم علاقاته مع محيطه الإقليمي والدولي على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على أساس التبعية والإملاءات.

الحرب الحالية، في تقديري، ليست مجرد حرب ضد الدعم السريع، وإنما هي أيضًا حرب على مشروع التغيير الذي حملته الثورة السودانية، لأن نجاح السودان في استعادة قراره الوطني يعني نهاية مرحلة طويلة من استغلال موارده، وإبقائه رهينة لمصالح الآخرين.

السودان ليس بلدًا فقيرًا، بل بلد يملك من الموارد ما يكفي ليكون من أقوى دول المنطقة. الذهب، والثروة الحيوانية، والأراضي الزراعية، والسمسم، والفول السوداني، وغيرها من الخيرات، كانت كفيلة بأن تجعل السودان دولة يعيش فيها المواطن بكرامة، لو أُديرت هذه الموارد لمصلحة الشعب، لا لمصلحة المتنفذين.

وبكل أسف، ظلت الحكومات المتعاقبة ترهن الاقتصاد السوداني لمصالح خارجية، بينما خرجت ثروات البلاد عبر مؤسسات وشركات رسمية، دون أن ينعكس شيء منها على حياة المواطن الذي ظل يدفع ثمن الفقر، والحروب، والانهيار الاقتصادي.

معظم السودانيين اليوم لجأوا إلى دول أفريقية كنا ننظر إليها يومًا بأنها دول فقيرة أو متأخرة، لكننا وجدنا فيها احترامًا للإنسان، وأمنًا، وخدمات، وحسن استقبال. وهنا يحق لنا أن نسأل: أين هم اليوم، وأين نحن؟ أليست موارد السودان كفيلة بأن تجعل التعليم حقًا، والعلاج حقًا، والخدمات حقًا لكل سوداني؟

لقد آن الأوان أن نتعلم من أخطاء الماضي، وأن نبني سودانًا جديدًا يسع الجميع، تُوظف فيه الموارد لمصلحة الإنسان السوداني، لا لقتل السودانيين، ولا لإشعال الفتن، ولا للعب على التناقضات المجتمعية.

السودان لن يبنيه إلا أبناؤه، ولن يحمي موارده إلا شعبه، ولن يستعيد مكانته إلا عندما يصبح القرار سودانيًا خالصًا، وتصبح ثروات البلاد ملكًا لكل السودانيين، لا وسيلة لإثراء فئة، ولا أداة لخدمة مصالح الآخرين.

فإما أن يكون السودان سيدًا على قراره وثرواته، وإما أن يبقى يدفع ثمن التبعية جيلاً بعد جيل. والتاريخ لا يرحم الشعوب التي تفرط في أوطانها، كما لا يرحم الذين يضعون مصالح الآخرين فوق مصلحة وطنهم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!