رأي

السودان والوعد الذي يحتضر: ماذا بقي من “لن يتكرر أبدًا”؟

منال علي محمود 

 

منال علي محمود 

بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن العالم يحاول فقط إعادة بناء المدن التي دمرتها الحروب، بل كان يحاول الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن منع تكرار الجرائم التي كشفت قدرة الإنسان على ارتكاب أقصى درجات العنف ضد الإنسان؟

من هذا السؤال نشأت منظومة دولية تقوم على الاتفاقيات، والمحاكم، وآليات التحقيق والمساءلة. لم يكن الهدف منها تسجيل الجرائم بعد وقوعها فقط، بل بناء نظام يجعل حماية المدنيين مسؤولية تتجاوز حدود الدول وحسابات المصالح السياسية، ويجعل تكلفة الانتهاكات أعلى من قدرة مرتكبيها على الإفلات.

كان وعد “Never Again” قائمًا على فكرة واضحة: أن معرفة الجريمة يجب أن تقود إلى فعل يمنع استمرارها.

لكن السودان يضع هذا الوعد أمام اختبار قاسٍ.

فالحرب التي يعيشها السودان اليوم ليست أزمة ظهرت بعيدًا عن أعين العالم، وليست نتيجة غياب المعلومات. فمنذ عام 2004، كانت دارفور تقدم صورة مبكرة عن مسار طويل من العنف والانتهاكات. صور الأقمار الصناعية، وشهادات الناجين، وتقارير المنظمات الدولية، والتحقيقات الميدانية، وثقت تدمير القرى، والنزوح الجماعي، والانتهاكات التي طالت المدنيين.

ولهذا فإن السودان يقدم حالة أكثر تعقيدًا من مجرد أزمة إنسانية. إنه يقدم سؤالًا حول الفجوة بين معرفة ما يحدث والقدرة على منعه.

فالعالم لم يواجه نقصًا في المعلومات. الأدلة كانت موجودة، والشهادات كانت متاحة، والتقارير كانت تصل إلى المؤسسات الدولية. لكن مرور السنوات وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في 2023 يطرح سؤالًا صعبًا: ماذا يحدث عندما تصبح القدرة على معرفة الحقيقة أكبر من القدرة على تغيير الواقع؟

وبالنسبة لكثير من السودانيين، فإن الحرب الحالية لا تبدأ من لحظة اندلاع القتال فقط. فهي تمثل ذروة مسار ممتد منذ دارفور، حيث تراكمت الأزمات دون معالجة جذرية، حتى وصلت إلى انفجار شامل هز مؤسسات الدولة والمجتمع.

هذا الفهم مهم، لأن تفسير الحرب يبدأ من جذورها، لا من لحظة ظهورها على شاشات الأخبار.

فالقانون الدولي لا يستمد قوته من توثيق الانتهاكات بعد وقوعها فقط، بل من قدرته على تغيير حسابات من يملكون القدرة على ارتكابها. وعندما تستمر الانتهاكات رغم وجود الأدلة والشهادات، فإن السؤال ينتقل من حجم المعرفة إلى فعالية الردع.

وهنا تظهر أزمة النظام الدولي في السودان: ليس في غياب القدرة على الرؤية، بل في المسافة بين الرؤية والفعل.

هذه الفجوة تظهر في وقائع الحرب نفسها. فقصف المدنيين في شمال السودان، والجدل الذي أثارته التحقيقات حول شحنة من أسطوانات الكلور مرت عبر ميناء جدة قبل وصولها إلى السودان، يضعان أمام المجتمع الدولي سؤالًا يتجاوز كل حادثة منفردة: ماذا يحدث عندما تتصرف أطراف النزاع في بيئة لا تبدو فيها العواقب قادرة على تغيير السلوك؟

القضية التي تكشفها هذه الوقائع ليست فقط تفاصيل ما حدث، بل البيئة التي تسمح بحدوث الانتهاكات. فعندما تصبح صور الضحايا، وشهادات الناجين، وتقارير التحقيق جزءًا من أرشيف طويل للحرب بدل أن تتحول إلى أدوات تمنع استمرارها، فإن المشكلة تصبح مرتبطة بقدرة النظام الدولي على حماية القواعد التي وضعها بنفسه.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الاستجابة الدولية للحرب في السودان. فقد ركز جزء كبير من الجهد الدولي على التعامل مع نتائج الصراع: النزوح، المساعدات الإنسانية، فتح الممرات، ومحاولة منع انهيار الوضع الإنساني.

هذه الجهود ضرورية لإنقاذ الأرواح، لكنها تكشف تحولًا أعمق: انتقال العالم من محاولة منع الكارثة إلى إدارة آثارها.

وهنا يصبح السؤال التالي: إذا كانت أدوات المعرفة موجودة، وإذا كانت أدوات الضغط موجودة، فلماذا تستمر الحرب؟

الإجابة تقود إلى جانب آخر من الأزمة: طبيعة الأدوات التي استخدمها المجتمع الدولي للتعامل مع الأنظمة والنزاعات، وحدود قدرتها على تغيير السلوك عندما تواجه شبكات تملك خبرة طويلة في المناورة.

فالعقوبات والحظر صُممت باعتبارها أدوات ضغط تهدف إلى تقليل قدرة الأطراف التي تهدد السلام أو ترتكب الانتهاكات على الاستمرار. لكنها في الحالة السودانية تواجه واقعًا أكثر تعقيدًا، لأن القوى المرتبطة بالنظام السابق لم تعتمد فقط على السلطة الرسمية، بل بنت عبر عقود علاقات ومصالح وشبكات ساعدتها على تجاوز العزلة، والحفاظ على نفوذها، وفتح مسارات للتعامل مع موارد السودان رغم القيود الدولية.

هذه الخبرة لا تجعل الحرب مجرد مواجهة بين قوى مسلحة، بل تجعلها أيضًا صراعًا حول من يملك القدرة على إعادة تشكيل الدولة بعد انتهائها. فالمؤسسات، والموارد، وشكل الحكم القادم، كلها أصبحت جزءًا من المعركة.

ولهذا فإن السلام الحقيقي يمثل تهديدًا مباشرًا لأي شبكات تستفيد من استمرار الفوضى. فالسلام يفتح الباب أمام أسئلة ظلت مؤجلة: كيف أُديرت موارد الدولة؟ كيف تشكلت مراكز النفوذ؟ ومن استفاد من ضعف المؤسسات واستمرار حالة عدم الاستقرار؟

وفي هذا السياق، فإن استمرار العمليات العسكرية لا يمكن فهمه فقط من خلال هدف الانتصار في الميدان. ففي بعض النزاعات، تتحول المعارك إلى وسيلة لتحسين الموقع السياسي وفرض الاعتراف بوجود طرف مسلح كجزء من الترتيب القادم. فامتلاك القدرة على الصمود والاستمرار قد يصبح وسيلة للحصول على مقعد في التسوية، حتى عندما لا يكون الحسم العسكري قريبًا.

لكن الصراع لا يدور فقط على الجبهات. فالداخل يصبح جزءًا من المعركة أيضًا، من خلال تضييق المساحات السياسية وتعزيز القبضة الأمنية، لإرسال رسالة داخلية وخارجية بأن الحرب غيّرت موازين القوى، وأن المشروع الذي رفعته الثورة أصبح عاجزًا أمام واقع السلاح، وأن القوى التي فقدت موقعها بعد سقوط النظام لا تزال قادرة على العودة باعتبارها طرفًا لا يمكن تجاوزه.

وهنا يظهر البعد الأعمق للحرب: فالمعركة ليست فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول تحديد شكل الدولة التي ستخرج من هذا الصراع. هل تكون الحرب طريقًا لإنهاء البنى التي أنتجت الأزمات، أم تصبح وسيلة لإعادة تلك البنى إلى موقع جديد داخل الدولة؟

ولهذا تصبح عملية السلام نفسها جزءًا من الصراع. فالتفاوض لا يدور فقط حول وقف إطلاق النار وتقاسم السلطة، بل حول سؤال أكبر: من يملك القدرة على التأثير في مستقبل السودان بعد انتهاء الحرب؟

وهذا يعيد النقاش إلى مسألة الوساطة.

فأي عملية سلام تحتاج إلى أكثر من جمع الأطراف حول طاولة واحدة. تحتاج إلى ثقة الضحايا والشعب بأن الهدف النهائي هو إنهاء أسباب الحرب، وليس فقط إدارة توازناتها.

ولهذا فإن دور الوسطاء الإقليميين والدوليين يصبح جزءًا من النقاش العام حول مستقبل السودان. فالدول التي تشارك في جهود الحل قد تمتلك القدرة على التأثير الإيجابي في مسار المفاوضات، لكنها في الوقت نفسه تواجه أسئلة حول طبيعة أدوارها، ومصالحها، ومدى قدرتها على إقناع السودانيين بأن عملية السلام تسعى إلى إنهاء الحرب لا إعادة ترتيب موازينها.

لكن أحد الجوانب التي غالبًا ما تُهمش في قراءة الحرب السودانية هو وعي السودانيين أنفسهم بما يجري حولهم.

فالسودانيون لا ينظرون إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية بدأت في عام 2023، بل باعتبارها نتيجة لمسار طويل من الأزمات والصراعات حول طبيعة الدولة ومستقبلها. وهم يعرفون أن الحرب الحالية جاءت بعد لحظة سياسية كان يُفترض أن تفتح الطريق أمام انتقال مدني، وأن الصراع حول مستقبل السلطة لم يكن منفصلًا عن الأسئلة التي طرحتها الثورة حول إصلاح مؤسسات الدولة وإنهاء دور القوى التي ظلت تتحكم في القرار السياسي لعقود.

كما يدركون أن الحروب لا تستمر فقط بسبب السلاح، بل بسبب المصالح التي تتشكل حولها. فموارد السودان، وموقعه الجغرافي، وضعف مؤسساته، جعلت الصراع أكبر من حدود الأطراف الداخلية وحدها. ولهذا فإن كثيرًا من السودانيين ينظرون إلى الحرب باعتبارها صراعًا على مستقبل البلاد، وعلى من يملك حق تحديد شكل الدولة بعد توقف القتال.

هذا الوعي لا يعني أن السودانيين يمتلكون إجابات نهائية حول كل تفاصيل الصراع، لكنه يعني أن الضحايا ليسوا مجرد متلقين للقرارات الدولية. فهم يراقبون مسارات التفاوض، ويسألون عن العدالة، وعن معنى السلام إذا لم يعالج الأسباب التي قادت إلى الحرب.

وهنا يعود السؤال الأساسي: هل يحترم العالم ثورة السودان ضد نظام الحكم السابق، أم أنه يتعامل فقط مع نتائج الحرب بعد أن غيرت موازين القوة؟

فالثورات لا تنجح فقط عندما تسقط الحكومات، بل عندما تتحول مطالبها إلى مؤسسات وقواعد جديدة. وإذا أصبحت الحرب قادرة على محو الذاكرة السياسية وإعادة تقديم القوى نفسها باعتبارها أطرافًا لا غنى عنها، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمعات الأخرى ستكون خطيرة: أن السلاح قادر على استعادة ما فقده التغيير السلمي.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لمنظومة “Never Again”.

فالمشكلة ليست فقط في حجم الدمار الذي خلفته الحرب في السودان، بل في السؤال الذي تطرحه على العالم: ماذا يحدث عندما يعرف الجميع، ويرى الجميع، ويوثق الجميع، ثم تستمر الدورة نفسها؟

لقد استطاع النظام الدولي في حالات أخرى أن يفرض مسارات قانونية وصلت إلى قادة كانوا يعتقدون أنهم خارج نطاق المحاسبة. وفي عام 2025، أظهر توقيف الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، بحسب السلطات الأمريكية، أن فكرة ملاحقة أصحاب السلطة ليست مستحيلة عندما تتوفر الإرادة السياسية. وهذا يعيد طرح سؤال صعب حول السودان: إذا كانت العدالة الدولية قادرة على الوصول إلى بعض القادة، فما الذي يجعل الوصول إلى المطلوبين في السودان أمرًا خارج الإمكان؟

القضية في النهاية ليست فقط أسماء أشخاص أو أطراف محددة، بل قدرة النظام الدولي على تطبيق المبادئ التي أعلنها بعد أكثر فصول التاريخ ظلمة.

فإذا أصبح الطريق من الحرب إلى طاولة المفاوضات أقصر من الطريق إلى المساءلة، فإن رسالة “Never Again” تفقد معناها تدريجيًا.

السودان اليوم لا يختبر فقط قدرة العالم على إنهاء حرب. إنه يختبر قدرة العالم على الدفاع عن الفكرة التي قام عليها جزء كبير من نظامه الحديث: أن الجرائم الكبرى لا يمكن أن تصبح مجرد ورقة تفاوض، وأن معاناة المدنيين لا يمكن أن تتحول إلى تكلفة مقبولة لإدارة الصراعات.

فالسلام الذي لا يمر عبر الحقيقة والمساءلة قد يوقف صوت البنادق، لكنه قد يترك أسباب الحرب قائمة.

والتاريخ لا يسأل فقط من بدأ الحروب، بل يسأل أيضًا من رأى الطريق إليها ولم يمنع عودتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!