هل أصبح المال السياسي أقوى من الانتماء؟

هل أصبح المال السياسي أقوى من الانتماء؟
نجوي بابو
٢٣ اغسطس ٢٠٢٦
في السودان، لم يعد المال السياسي مجرد وسيلة لشراء الولاءات أو استمالة القيادات بل أصبح، في مراحل عديدة، أداة لإعادة تشكيل التحالفات وتغيير اتجاهات القوة داخل المجتمع والدولة. ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقًا هل أصبح سحر المال السياسي أقوى من الانتماء المجتمعي والثقافي؟
لم تكن الانتماءات القبلية والجهوية والثقافية في السودان مجرد هويات عابرة. فقد ظلت، في كثير من المناطق، مصدرًا للتكافل والحماية والذاكرة المشتركة والشعور بالمسؤولية تجاه الجماعة. وفي مناطق الهامش خصوصًا، ارتبط الانتماء بقضايا الأرض والحقوق والعدالة والمقاومة. لكن حين تضعف مؤسسات الدولة، ويصبح الوصول إلى السلطة والموارد قائمًا على العلاقات والصفقات، يبدأ المال السياسي في منافسة تلك الروابط العميقة.
الخطر لا يكمن فقط في أن المال يستطيع شراء شخص، وإنما في قدرته على تحويل الانتماء نفسه إلى سلعة سياسية.
فقد يصبح الزعيم ممثلًا لقبيلة أو إقليم أو حركة، ثم يتحول تمثيله إلى مصدر للتفاوض على المناصب والموارد والنفوذ. وعندما تصبح المكاسب الشخصية أو الفئوية مرتبطة بالسلطة المركزية، يمكن أن ينشأ تعارض بين مصلحة المجتمع ومصلحة من يتحدث باسمه.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المآسي السياسية إيلامًا في السودان أن تتحول القضية العامة إلى ملكية خاصة للنخبة.
فالمقاومة التي خرجت في الأصل احتجاجًا على التهميش قد تجد نفسها، بعد سنوات من الحرب، أمام إغراء الدخول في ترتيبات السلطة. ولا يعني ذلك أن كل من دخل اتفاق سلام باع قضيته فالسلام ضرورة، والمشاركة السياسية حق مشروع، وإنهاء الحرب هدف لا خلاف عليه. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح المناصب والرتب والامتيازات بديلًا عن معالجة الأسباب التي أشعلت الحرب.
عندها يتحول السؤال من كيف نغيّر بنية الدولة؟ إلى كيف نحصل على نصيبنا منها؟
وهذه النقلة خطيرة لأنها قد تحول الصراع من الهامش في مواجهة المركز إلى الهامش في مواجهة الهامش على موارد المركز.
والأخطر أن المال السياسي لا يحتاج دائمًا إلى إلغاء الهوية أو القضاء على الانتماء. يكفي أن يعيد توظيفهما. فالقبيلة يمكن أن تصبح قاعدة تفاوض، والإقليم يمكن أن يصبح بطاقة سياسية، والحركة المسلحة يمكن أن تتحول إلى بوابة للمناصب والنفوذ.
لكن لا ينبغي تحميل المجتمعات مسؤولية هذه الظاهرة. فالناس لا يتخلون بسهولة عن ذاكرتهم وثقافتهم ومصالحهم الجماعية. المشكلة في نظام سياسي يجعل الولاء الشخصي أكثر ربحًا من العمل العام، ويجعل المنصب أقرب إلى بوابة للثروة والنفوذ من كونه مسؤولية تجاه المواطنين.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل انتصر المال السياسي على الانتماء؟
بل: هل نجح المال السياسي في اختراق الانتماء وتحويله من قوة اجتماعية تطالب بالعدالة إلى أداة تستخدمها النخب للحصول على موقع داخل السلطة؟
إذا حدث ذلك، فإن الخطر لا يهدد الهامش وحده، بل يهدد المجتمع السوداني كل لأن الدولة تتحول تدريجيًا من فضاء للمواطنة المتساوية إلى سوق تتحدد فيه قيمة الولاء بحسب ما يدره من مال ونفوذ.
إن المعركة الحقيقية ليست بين المال والانتماء، وإنما بين سياسة المصالح الضيقة وسياسة المواطنة.
فحين تصبح كرامة المواطن وحقوقه أقوى من حاجته إلى الوسيط، وحين تصبح الدولة مصدرًا للحقوق لا للمنح، وحين يصبح المنصب تكليفًا لا غنيمة، يفقد المال السياسي جزءًا كبيرًا من سحره.
وعندها فقط يمكن للانتماء المجتمعي والثقافي أن يعود إلى وظيفته الطبيعية مصدرًا للتنوع والتكافل والثراء الوطني، لا سلعةً في سوق السلطة.




